في تلك الليلة، احتمت أرملةٌ بأطفالها داخل مغارةٍ متجمّدة، ظنًّا منها أنها نجت من البرد…


بل بدا كأنهما ناجيان من معركةٍ واحدة، يجمعهما ما تعجز الكلمات عن وصفه.
وحين قاربت كريمة الخمسين، قررت الحكومة بناء مدرسةٍ جديدة في القرية، وبدأ البحث عن اسمٍ لها، فاقترح البعض اسم الحاج جلال المدني، واقترح آخرون أسماء رجالٍ من السياسة، لكن القرار الأخير، بإصرار أهل القرية، كان مختلفًا.
حملت المدرسة اسم كريمة بنت سالم.
حين أخبروها، هزّت رأسها رافضة
لا هذا لا يصح أنا لستُ أحدًا.
لكن أحدًا لم يستمع.
كان الافتتاح بسيطًا ومؤثرًا، ولوحةٌ نحاسية عند المدخل كُتب عليها
تكريمًا لأمٍّ شجاعة واجهت الظلم وأعادت الأمل لقريتها.
صعدت كريمة إلى المنصّة وساقاها ترتجفان، وأمام الأطفال بزيّهم المدرسي وأهاليهم، قالت كلماتٍ قليلة، متعثّرة، لكنها خرجت صادقة من قلبها.
قالت إن العلم كنز لا يُدفن ولا يُسرق، وإن الفقير له الحق أن يتعلّم، وإنها لم تفعل شيئًا عظيمًا، بل حاولت فقط حماية أطفالها، لكنها أدركت شيئًا واحدًا
حين يشتدّ الظلام فإن الاستمرار في السير هو شجاعة.
صفّقوا لها وقوفًا..
نزلت وهي تبكي واحتضنها أبناؤها الثلاثة معًا.
ثم جاءت المرحلة التي لا تُروى كثيرًا
الحياة العادية.
سنواتٌ بلا أحداثٍ كبيرة، لكنها كانت الأهم
فطورٌ بسيط، ضحكات، أمراض أطفال، مواسم عادية، أمسيات خياطة، أعراس، ولادات، وأحفاد يركضون في الفناء، ورائحة القهوة، ومطرٌ يطرق سقفًا لم يعد ينهار.
تزوّج طارق وأنجب طفلين، وازدهر متجر لُجين دون أن تفقد عفويتها، وأصبح سامي معلّمًا في المدرسة التي تحمل اسم أمّه، الأمر الذي كانت كريمة تراه مزحةً من الله.
وفي بعض الأمسيات، كانت تجلس على مقعدٍ في فناء المدرسة، تراقب الأطفال وهم يغادرون، وتفكّر في المغارة، وفي البطّانية الممزّقة، وفي البرد والجوع، فيبدو لها مستحيلًا أن تلك المرأة المرتجفة التي احتمت يومًا بالجبل كانت هي نفسها.
حين بلغت كريمة السبعين من عمرها، داهمها المړض.
لم يكن سقوطًا مفاجئًا، بل تعبٌ بطيء لجسدٍ أنهكه العمل طويلًا.
تولّى أبناؤها رعايتها بالتناوب، وكان الأحفاد يأتونها بالزهور أو الخبز الحلو، ويدخل الجيران لتحيتها وشكرها على أشياء ربما لم تدرك يومًا أنها كانت سببًا فيها.
وفي مساءٍ تغمره شمسٌ ذهبية، طلبت أن يُحضروا لها القلادة الفضية.
وضعها طارق في يديها.
ضمّتها إلى صدرها، ونظرت إلى أبنائها.
لا تبكوا عليّ كأنني سأرحل وحدي قالت بصوتٍ متعب لقد سرتُ في طرقٍ كثيرة، وفي كلّها كنتم أنتم بيتي.
اڼفجرت لُجين بالبكاء، وقبّل سامي جبينها، بينما شدّ طارق فكه محاولًا ألّا ينكسر.
لا تخافوا بعد الآن همست كريمة.
وفي تلك الليلة رحلت.
نامت وابتسامةٌ خفيفة لا تزال على وجهها.
اجتمع أهل القرية كلّهم في جنازتها، ودُفنت قرب الجامع، تحت شجرةٍ عتيقة تُلقي ظلًا طيبًا في أيّار، ونُقشت على شاهد قپرها عبارة بسيطة
كريمة بنت سالم أمٌّ مناضلة نورٌ في العتمة.
ومع مرور الزمن تحوّلت قصتها إلى أسطورة.
زادت التفاصيل. تزيّنت الحكاية.
قال بعضهم إن السيدة العذراء ظهرت لها في المغارة، وأقسم آخرون أن روح الحاج جلال المدني هي من أرشدتها داخل النفق، بل إن هناك من ادّعى أن صوت السلاسل كان يُسمع تحت الجبل كل عام في ذكرى المحاكمة.
هكذا هي القرى تُعلّق على الحقيقة شيئًا من المعجزات، إمّا لتخفّف ألمها أو لتمنحها بريقًا يمكن احتماله.
لكن، تحت كل تلك الروايات، ظلّ الجوهر كما هو أرملةٌ فقيرة، وثلاثة أطفالٍ جائعين، وليلةٌ قاسېة داخل مغارة، وأمّ رغم انكسارها قررت أن تواصل السير.
هذا ما غيّر القرية حقًا. ليس الذهب، ولا الجنود، ولا المحاكمة بل إصرار امرأةٍ حاول العالم أن يدفعها خارج الحكاية، لكنها بيدين فارغتين وقلبٍ مثقلٍ بالخذلان تمسّكت بأطفالها ورفضت أن تسقط.
لأن الشجاعة لا تأتي دائمًا على صهوة جواد، ولا ترتدي هيئة
الأبطال، بل قد تأتي حافية القدمين، بشفاهٍ متشققة، وبلا طعام أو أملٍ واضح، ومع ذلك تواصل التقدّم. أحيانًا يكون لها اسم امرأة اسم أمّ اسم إنسانٍ لا يملك رفاهية الاستسلام.
ولهذا، بعد سنواتٍ طويلة، حين تسمع طفلة في قرية عين الجبل أن الحياة أقسى من الأحلام، أو يظن رجلٌ بسيط أن الأقوياء ينتصرون دائمًا، أو تقف أرملة على حافة اليأس تُروى الحكاية من جديد.
حكاية كريمة بنت سالم، حكاية تلك الليلة التي نامت فيها داخل مغارةٍ باردة مع أطفالها، وحكاية ذلك الصباح الذي استيقظت فيه على سرٍّ غيّر كل شيء، حكاية امرأةٍ لم تبحث عن مجد بل عن مأوى، فوجدت العدالة..