في تلك الليلة، احتمت أرملةٌ بأطفالها داخل مغارةٍ متجمّدة، ظنًّا منها أنها نجت من البرد…


كانت متآكلة، والهواء ثقيل، وتحت ضوء الشعلة المرتعش ظهر شيء أبيض على الأرض.
انحنت والتقطته.
عظمة.
بشړية.
أسقطتها فورًا.
كل خطوة كانت تشعرها بأنها تنتهك حرمة شيءٍ قديم، حتى انحرف النفق، وانحدر أكثر ثم فتح على غرفة صغيرة محفورة في الصخر.
وهناك
كان يجلس مېت.
ظهره إلى الجدار، رأسه مائل، يداه مقيّدتان بسلاسل حديدية مغروسة في الصخر، وثيابه ممزقة تتدلّى من هيكله، وجلده الجاف ملتصق بالعظام كأنه ورق قديم.
وضعت كريمة يدها على فمها كي لا تصرخ.
حولها
عشرات الصناديق.
فتحت واحدًا.
ذهب.
ليس عملات فقط بل حُليّ، وقطع مصوغة، وأوانٍ، وسبائك صغيرة، وسلاسل، وتمائم، وفي صندوق آخر فضة وفي آخر أحجار كريمة.
ثروة هائلة مدفونة تحت الجبل مع چثة رجلٍ مقيّد حتى المۏت.
لم تكن اللعڼة بحاجة إلى أشباح
المشهد وحده كان كافيًا.
تراجعت كريمة خطوة ودوارٌ خفيف يدور برأسها.
وفي تلك اللحظة
سمعت أصواتًا.
من الأعلى.
خطوات.
أكثر من شخص ينزلون عبر النفق.
أطفأت الشعلة سريعًا، والتصقت بالجدار، تحبس أنفاسها.
ظهر ضوء مصباحين كيروسين عند المنعطف.
دخل عزّات البدري ويعقوب.
تعرّفت عليه حتى في الظلال، كان شيخًا منحنياً، لكنه لا يزال يفرض حضوره، وقف أمام الچثة، ونظر إليها برضاٍ مقزز.
انظر إلى نفسك كل هذه السنوات، وما زلت تحرس ما لم تستطع أخذه معك.
ضحك يعقوب بخفّة.
الأرملة اقتربت كثيرًا يا سيّدي دخلت البيت القديم الأفضل أن ننقل كل شيء الآن.
ليس بعد.
إن تحدّثت
مع من؟ قال بازدراء في تلك القرية، الجميع مدين لي الجميع يخافني ثم إنها لا تعرف ما وجدت.
خفض يعقوب صوته
وماذا لو اكتشفت النفق؟
نظر عزّات إلى الهيكل العظمي المقيّد، وقال ببرودٍ ثقيل إنّها إن اكتشفت الأمر فستلقى المصير نفسه الذي لقيته عائلة المدينة حين ظنّوا أنفسهم أصحاب هذه الأرض، فتجمّد الډم في عروق كريمة، وارتبطت في ذهنها الخيوط فجأة عائلة المدينة الرجل الميّت الكنز وبدأت الصورة تكتمل رغم أنّها لم تفهم كل شيء بعد.
تابع عزّات حديثه بنبرة يكاد يفاخر بها، قائلاً إنّه قضى أكثر من ثلاثين عامًا يحرس هذه الثروة، ثمنها كان دمًا وصمتًا، ولن يسمح لأرملة جائعة أن تفسد عليه جائزته، فسأله يعقوب إن كانوا سيتخلّصون منها، فتأنّى الرجل العجوز لحظات قبل أن يجيب بأن يخيفوها أولًا، وإن لم تفهم فلكل حاډث حديث، ثم ظلّوا دقائق يتفحّصون الصناديق ويعدّونها بعينٍ تقدّر دون عدّ حقيقي، حتى اطمأنّوا أنّ كل شيء في مكانه، وغادروا.
لم تتحرّك كريمة حتى اختفى الضوء تمامًا، وحين أشعلت الشعلة من جديد بدا وجه الميّت مختلفًا؛ لم يعد مرعبًا فقط، بل صار ظالمًا أيضًا، رجل دُفن حيًا وسط ثروة لم تنقذه، بينما عزّات، الذي أفسد حياة كثيرين، ما زال فوق الأرض يحكم القرية كأنها ملكه.
عندها أدركت كريمة أنّ الكنز لم يكن صدفة ولا هدية، بل جرحًا مفتوحًا، فأمسكت بأصغر صندوق وجدته، كان ثقيلًا، لكنها سحبته بصعوبة عبر النفق ثم إلى القبو ثم إلى المغارة حيث أخفته بين الحجارة.
كانت تعرف أنها لا تستطيع الهرب الآن، ولا بيع شيء كبير دون أن تثير الشبهات، ولا الوثوق بأحد لكنها تستطيع القتال.
ومع الفجر، تركت أطفالها في المغارة بوصايا صارمة، ونزلت إلى القرية عبر طرق جانبية حتى وصلت إلى بيت الشيخ أنس، إمام الجامع، الذي استقبلها بدهشة، فلم تضيّع وقتًا، بل روت له كل شيء العملات، النفق، الچثة المقيّدة، وكلام عزّات.
استمع إليها بصمت، ومع كل كلمة كان وجهه يبهت أكثر، ثم قال إنّ ما تقوله خطېر للغاية، فأكدت
له أنه الحق، وسألها إن كانت متأكدة، فأجابته بثبات أنّها متأكدة كما هي متأكدة من جوع أطفالها، وأنّ ذلك الرجل قاټل وأن الذهب