في تلك الليلة، احتمت أرملةٌ بأطفالها داخل مغارةٍ متجمّدة، ظنًّا منها أنها نجت من البرد…


واثقةٍ سامة، كأن الأرض وما عليها ملكٌ له.
انظري فقط الأرملة وجدت لنفسها مأوى في الجبل.
لم تُجب كريمة.
هذه الأرض لها صاحب وكل ما فيها كذلك، المغارة، والكوخ، والحجارة حتى الغبار.
أنا فقط أحتمي مع أطفالي لا مكان لنا نذهب إليه.
اقترب خطوة أخرى.
عزّات رجل كريم لكنه لا يحب من يقتحم ما يخصه، إن أردتِ البقاء فعليكِ أن تدفعي.
لا أملك شيئًا.
دائمًا هناك ما يُدفع.
نظرتها إليه كانت كافية لتفهم ما يقصده قبل أن يُكمل، فشعرت بالغثيان، وتراجعت خطوة إلى الخلف.
لا.
ضحك ضحكة قصيرة.
إذن لديكِ ثلاثة أيام إمّا أن ترحلي أو تدفعي عشرين جنيهًا.
عشرون جنيهًا مبلغ مستحيل.
هذا كثير.
لا تفاوضيني السيّد هو من يأمر.
ثم مال برأسه قليلًا نحو المغارة، وخفّض صوته
وإيّاكِ أن تعبثي فيما لا يعنيك في الجبل أشياء سيئة تحدث، الناس تختفي والأطفال يضيعون.
قبضت كريمة على يديها بقوة، أرادت أن تبصق في وجهه، أن تصرخ، أن تضربه بحجرٍ حتى ينفلق رأسه لكنها لم تفعل، فقط نظرت إليه بكراهيةٍ صافية جعلته يتوقف عن الابتسام لحظة.
ثم امتطى حصانه، وغادر مع رجاله، تاركًا خلفه الغبار والټهديد.
خرج طارق من المغارة، شاحب الوجه.
هل سيطردوننا؟
نظرت كريمة نحو البيت المهجور.
خلف تلك الجدران وتحت الغطاء الخشبي كانت الصناديق المليئة بالنقود القديمة تنتظر، مالٌ يكفي ربما للطعام، وربما لشراء سقف وربما لشراء وقت، لكن معه أيضًا الخۏف، والشك، وذلك الصوت الغامض في الليلة الأولى، والإحساس بأن الجبل لا يعطي شيئًا مجانًا.
لا أدري.
في تلك الليلة، وبعد أن نام الأطفال، عادت كريمة إلى البيت الطيني، تحمل شمعة مشټعلة، ونزلت إلى القبو، وبدأت تفحص الصناديق بعناية أكبر، فوجدت في أحدها فضة، وفي آخر أوعية مغلقة بداخلها شيء جاف، وفي صندوقٍ في الزاوية كتابًا بغطاء جلدي متآكل.
فتحته.
لم تكن تقرأ بطلاقة، لكنها كانت تفهم ما يكفي أسماء، تواريخ، أرقام، بعض الصفحات بدت حسابات، وأخرى قوائم، وفي النهاية وجدت جملة مكتوبة بحبر أسود غليظ، استطاعت أن تقرأها كاملة، وهي تتهجّا
من ېلمس هذا الكنز يحمل لعڼة المۏتى الذين حرسوه.
مرّت قشعريرة باردة في جسدها.
وفي تلك اللحظة
سمعت خدشًا.
ليس من الخارج ولا من الأعلى
بل من الجدار الخلفي.
رفعت الشمعة، فعاد الصوت حكّ بطيء، مُلحّ، كأن أظافر تنغرس في طينٍ رطب.
تراجعت.
ثم سمعت نفسًا.
بطيئًا ثقيلًا قريبًا جدًا.
تجمّد الډم في عروقها، وصعدت الدرج مسرعة، سقطت الشمعة من يدها، تعثرت، خرجت إلى الهواء الطلق، ولم تتوقف حتى وصلت إلى المغارة، تحت سماءٍ مكتظة بالنجوم.
انحنت، تلهث، وقلبها يكاد يقفز من صدرها.
حاولت أن تقنع نفسها أنه حيوان حاولت أن تصدّق ذلك فعلًا لكنها في أعماقها، كانت تعرف أن ذلك البيت يخفي أكثر من نقود.
مرّ اليومان التاليان كجحيمٍ صامت.
تظاهرت كريمة بالهدوء أمام أطفالها، تحكي لهم القصص، وتقسّم آخر ما تبقّى من الطعام بدقّة، وتغنّي لهم بينما في داخلها كان الخۏف ينمو ساعة بعد ساعة، لأنها كانت تعلم أن يعقوب سيعود، وتعلم أنهم لن يستطيعوا الهرب بعيدًا، وتعلم أيضًا أنه إن كانت تلك النقود قد تنقذهم فعليها أن تعرف كم منها نعمة وكم منها کاړثة.
في الليلة الثانية نزلت مجددًا.
هذه المرة، لم تحمل شمعة، بل شعلة صنعتها من خِرقٍ ودهنٍ قديم.
كان الضوء أقوى.
وفي عمق القبو، خلف صندوقين كبيرين لاحظت أن الجدار ليس من الحجر كباقي المكان، بل من طينٍ أحدث.
وكان فيه ثقب صغير.
خرج منه هواء بارد ورائحة غريبة، طينٍ مبتل ممزوج بشيءٍ حلوٍ فاسد.
أزاحت الصناديق، وأمسكت معولًا صدئًا، وضړبت الجدار.
تفتّت بسهولة.
فتحت فجوة ونظرت.
كان خلفه نفق ضيّق ينحدر داخل الجبل.
شعرت برغبةٍ في الهرب
لكنها دخلت.
انحنت لتسير، والعوارض
الخشبية فوقها