في تلك الليلة، احتمت أرملةٌ بأطفالها داخل مغارةٍ متجمّدة، ظنًّا منها أنها نجت من البرد…


الأخرى.
ركضت كريمة نحو أطفالها، فاندفع طارق إليها وارتمى عند خصرها، بينما خرجت لُجين وسامي من الداخل وهما يبكيان، فضمّتهم جميعًا بقوةٍ كادت تخنقهم.
انتهى انتهى يا صغاري.
لم يكن قد انتهى تمامًا لكنهم كانوا بحاجةٍ لأن يصدّقوا ذلك.
ساعدها الشيخ أنس على الوقوف، وكان وجهه مرهقًا، مغطّى بالعرق، لكنه مطمئن.
وصلنا في الوقت المناسب.
اكتفت كريمة بهزّ رأسها.
أمر الملازم رامي بتقييد الحاج عزّات ويعقوب، ثم طلب من كريمة أن تدلّه على المكان الذي رأت فيه الچثة، فوافقت رغم ارتجافها، وتركت أطفالها مع الشيخ، وقادت الملازم وجنديين ومعهم الشيخ إلى البيت المهجور.
نزلوا إلى القبو
وعبروا الفتحة في الجدار
وساروا في النفق
عندما رأوا الغرفة الأخيرة، هتف أحد الجنود، بينما اندفع آخر إلى الخارج مسرعًا يتقيّأ، أمّا الملازم رامي فبقي واقفًا بلا حراك أمام الهيكل العظمي المقيّد لثوانٍ طويلة، وكأنّ المشهد أثقل من أن يُستوعب بسرعة.
تمتم الشيخ أنس بصوتٍ خاڤت
يا الله
تقدّم الملازم، يتفحّص السلاسل، والصناديق، وآثار الجدران، وبقايا الچثة، ثم الټفت إلى كريمة وقال بنبرةٍ جادّة إن ما فعلته يتطلّب شجاعة لا يملكها كثيرون، لكنها لم تشعر بالشجاعة، بل بالإرهاق فقط، وقالت إنها لم تكن تريد سوى إنقاذ أطفالها، فأجابها بأنها ربما أنقذت كثيرين غيرهم أيضًا.
في تلك الليلة نفسها، تم تأمين المكان، وترك جنديان لحراسة البيت والنفق، بينما اقتيد الحاج عزّات ويعقوب مقيّدين إلى القرية، فخرج الناس إلى الأبواب والنوافذ يشاهدون سقوط الرجل الذي طالما حكمهم، بعضهم خفض عينيه بدافع العادة، وآخرون، خاصة كبار السن، نظروا إليه بخليطٍ من حقدٍ قديم وراحةٍ لا تُصدَّق، فقد بدا المشهد مستحيلًا الحاج عزّات يُساق كمجرمٍ عادي.
أمضت كريمة وأطفالها تلك الليلة في بيت الإمام، ناموا على سريرٍ حقيقي، وأكلوا مرق دجاج، نامت لُجين وفي يدها قطعة خبز، ولم يترك سامي أمّه لحظة، أمّا طارق، الذي حمل نفسه فوق طاقته لأشهر، فقد استسلم أخيرًا للنوم العميق على الأرض بجوار إخوته.
لكن كريمة لم تستطع النوم، جلست قرب النافذة تمسك كوب شاي، تستمع إلى الشيخ أنس وهو يشرح ما حدث، إذ كان قد أرسل برقية عاجلة إلى القاضي مراد في المدينة، وهو رجل كان يجمع الأدلة ضد المتسلّطين منذ زمن، فاستجاب القاضي وأرسل الملازم رامي مع دورية، ووصلوا قبل ساعات قليلة فقط، ثم صعدوا الجبل حين علموا أن الحاج عزّات في طريقه إلى المغارة.
قال لها الشيخ إنها كانت محظوظة، فنظرت إلى أطفالها وأجابت بأن الله هذه المرة قد الټفت إليهم.
كانت الأيام التالية عاصفةً من الإفادات، والتفتيشات، والشائعات، وبدأ شيوخ القرية يتحدثون عن أمرٍ ظلّ لعقود مجرد همس اختفاء عائلة المدينة في أوائل الثلاثينيات، كانوا أصحاب أرض ومال، لكنهم أيضًا كانوا محترمين، وفي ليلةٍ هوجمت دارهم، قُټل بعضهم، واختفى آخرون، وانتقلت أملاكهم بسرعةٍ مريبة، ولم يسأل أحد، لأن الفضول في تلك الأيام كان يكلّف الحياة.
أمام احتمال أن يقضي عمره في السچن، بدأ يعقوب يتكلم، أنكر أولًا، ثم اعترف بمعرفته بالكنز، ثم أقرّ بأنه رافق الحاج عزّات إلى النفق أكثر من مرة، وأخيرًا كشف ما سمعه منه أن ذهب وفضة عائلة المدينة سُرقت بعد كمين، وأن الحاج جلال المدينة، كبير العائلة، اختُطف وأُجبر على كشف مكان الثروة، ثم قُيّد في الجبل حتى ماټ، حتى لا يبقى شاهد.
انتشر الخبر كالڼار في الهشيم، وأُقيمت المحاكمة في المدينة بعيدًا عن الضغط، واستُدعيت كريمة للشهادة، فسافرت لأول مرة بعيدًا عن قريتها، بثوبها البسيط المرقّع ويديها المرتجفتين، لكنها حين رأت الحاج عزّات خلف القفص،