في تلك الليلة، احتمت أرملةٌ بأطفالها داخل مغارةٍ متجمّدة، ظنًّا منها أنها نجت من البرد…


ليس له.
أغمض الشيخ عينيه لحظة، وظنّت أنه سيطلب منها الدعاء فقط، لكنه حين فتحهما كان فيهما تعبٌ وإصرار، وقال إنه يعرف قاضيًا في المدينة رجلًا نزيهًا لا يخضع للمتسلّطين، وإنه إن أرسل برقية اليوم فقد لكنها قاطعته بأنها لا تملك الوقت، وأن يعقوب منحها ثلاثة أيام فقط.
أومأ برأسه وقال إن عليهم أن يحرّكوا السماء، ثم أعطاها خبزًا وجبنًا يابسًا وتفاحًا ذابلًا، ووعدها أن يرسل الرسالة فورًا، وأمرها ألا تخبر أحدًا.
عادت كريمة تشعر لأول مرة أنها ليست وحدها، لكن قرية عين الجبل كانت مكانًا حتى الغبار فيه ينقل الأخبار، فقد رآها الحاج رُوقي تخرج من بيت الإمام، وفهم فورًا أن الأرملة تورّطت في أمر خطېر، ولأن أمثال هؤلاء يبيعون أنفسهم سريعًا لأصحاب النفوذ، أسرع إلى المزرعة ليخبر.
لم تعلم كريمة شيئًا عن ذلك حتى المساء، حين كانت تقسم الخبز بين أطفالها وسمعت وقع خيول من جديد، لكنها هذه المرة أكثر، فصعد خمسة رجال إلى المغارة، يتقدمهم عزّات، وإلى جواره يعقوب، وخلفهما ثلاثة من الرعاة يحملون البنادق.
نهضت كريمة فورًا وأمرت الأطفال أن يختبئوا في الداخل، فأخذ طارق بيد لُجين وسامي وأطاع دون بكاء، لكن بوجهٍ شاحب.
نزل عزّات عن حصانه بهدوءٍ بارد، واقترب منها كأنّه يتمشّى بين ممتلكاته، وقال إنه علم أنها تتحرّك كثيرًا، فادعت أنها لا تفهم، فردّ بحدّة أنه لا يريد تضييع وقته، فقد دخلت البيت ونزلت إلى القبو وأخذت ما ليس لها.
نظرت إليه بثبات وقالت إنها لم تسرق شيئًا، فأشار بيده، ودخل يعقوب مع رجلين إلى المغارة، حاولت منعهما، لكن أحدهم دفعها بقوة فسقطت على ركبتيها فوق الصخر، وخدشت يداها وشعرت بطعم الخۏف يملأ فمها.
ومن الداخل سُمعت أصوات ارتطام وحجارة تتحرّك وبكاء مكتوم ثم صړخة لُجين، فقفزت كريمة واقفة وحاولت الاندفاع إلى الداخل، لكن عزّات وقف في طريقها ومنعها.
خرج يعقوب وهو يحمل الصندوق الصغير المليء بالكنز بين يديه، وخلفه كان طارق يتعارك مع أحد الرجال الذي أمسكه من ذراعه بقسۏة.
وجدناها يا حاج.
ابتسم الحاج عزّات ابتسامة باردة.
إذن لم تسرقي شيئًا؟
نظرت كريمة إلى ابنها؛ قميصه ممزّق، وجهه مبلّل بدموعٍ حاول كتمها، لُجين تبكي في الداخل، وسامي يرتجف كحيوانٍ صغير مريض عندها اشټعل بداخلها شيء أقوى من الخۏف.
هذا الذهب ليس لك.
اختفت ابتسامة العجوز فورًا.
احذري لسانك.
أعرف أمر النفق وأعرف الرجل المقيّد وأعرف ما فعلتموه بعائلة المدينة.
نظر يعقوب إليها بصدمةٍ واضحة.
ولستُ وحدي تابعت كريمة، وصوتها يزداد ثباتًا مع كل كلمة، الشيخ أنس يعلم أيضًا، وقد أرسل خبرًا إلى المدينة وهم في طريقهم إليك.
تجمّد الحاج عزّات في مكانه، لم يتحرّك منه سوى عيناه، وقد تحوّلتا من احتقارٍ بارد إلى كراهيةٍ خالصة.
يعقوب أسكتها.
رفع يعقوب بندقيته.
في تلك اللحظة، مرّت الصور في ذهن كريمة كوميضٍ خاطف سالم ليلة المغارة الصندوق الخشبي وأطفالها وهم يُتركون وحدهم في هذا العالم.
أغلقت عينيها.
لكن الطلقة لم تُطلق.
ما دوّى كان صوتًا آخر، قويًا حادًا، قادمًا من جهة الطريق
أنزلوا أسلحتكم!
فتحت كريمة عينيها.
كان الشيخ أنس يصعد وسط الغبار، ومعه ستة من الجنود، يتقدّمهم ضابط شاب بملامح صارمة، وملابس نظيفة رغم وعورة الطريق، يده فوق سلاحھ، وهيئته لا توحي برجلٍ يساوم أصحاب النفوذ.
أنا الملازم رامي قال بصوتٍ حازم، لديّ أمر بالقبض على كل من تورّط في بلاغ يتعلّق پالقتل، والاختطاف، وإخفاء الممتلكات.
تردّد يعقوب لحظة، ونظر إلى الحاج عزّات، لكن العجوز أدرك فورًا أن هؤلاء ليسوا من أولئك الذين يُشترون بسهولة، فخفض رأسه قليلًا ثم قال بامتعاض
نفّذوا.
سقطت البنادق
أرضًا واحدةً تلو