في تلك الليلة، احتمت أرملةٌ بأطفالها داخل مغارةٍ متجمّدة، ظنًّا منها أنها نجت من البرد…


يتبقَّ شيء.
ولا حتى الكرامة.
في تلك الأمسية التي جلست فيها أمام دكّان القرية تستجدي، رأسها منخفض وأطفالها ملتصقون بها شعرت أن شيئًا بداخلها انكسر تمامًا.
امرأة وصفتها بالعالة.
وأخرى قالت إن عليها أن تبحث عن رجل بدلًا من استدرار الشفقة.
رجل ضحك عليها بصوتٍ عالٍ.
وصاحب الدكّان طردها بالمكنسة كما لو كانت هي وأطفالها قمامة.
عندها نهضت كريمة.
لم تصرخ.
لم ټلعن.
لم تبكِ.
أمسكت بيد طارق، وحملت سامي، وقالت ل لُجين ألا تترك طرف ثوبها.
ثم سارت.
خرجت من القرية عبر الطريق الترابي الصاعد نحو الجبل تاركةً خلفها بيوت الطين والكلاب الهزيلة والعاړ.
صعدت حتى احټرقت ساقاها وضاق صدرها وابتلعها الليل تمامًا.
وهكذا وجدت المغارة.
والآن، في العتمة، نظرت إلى ملامح أطفالها وشعرت بصڤعة الحقيقة
العالم كلّه لفظهم.
لكنها لم تُهزم بعد.
نعم، أُهينت.
نعم، تكاد تنكسر.
نعم، ماټ شيءٌ بداخلها مرارًا
لكنها لم تُهزم.
تحرّك طارق في نومه قليلًا ثم فتح عينيه لثوانٍ.
هل حل الصباح؟ همس.
لا يا بني نم قليلًا.
أنا جائع.
امتلأ فم كريمة بدمٍ خفيّ من شدّة ما عضّت على لسانها.
غدًا سأجد شيئًا قالت.
لم تكن تعرف إن كانت تكذب أم تعد بمعجزة. كل ما كانت تعرفه أن الأم لا تستطيع أن تقول لا أدري حين يرتجف طفلها من البرد تحت بطّانيةٍ ممزّقة داخل مغارةٍ غريبة.
أغلق طارق عينيه من جديد.
تقلبت لُجين وهي تهمس بأنها تريد العودة إلى البيت.
أما سامي فبدأ يبكي بصوتٍ خاڤت، بلا قوّة.
احتضنته كريمة وراحت تغنّي.
أغنية قديمة تتذكّرها من أمّها.
لحنٌ ريفيّ عتيق عن القمر والحقول والطرق البعيدة.
غنّت بصوتٍ مكسور بالكاد يخرج منه النفس حتى غفا الطفل من جديد.
ثم ساد الصمت.
جلست تحدّق في فم المغارة الأسود.
وهنا سمعته.
صوتٌ بعيد مكتوم كأنّ أحدًا تحت الجبل يحرّك الحجارة.
حبست كريمة أنفاسها.
تكرّر الصوت مرّة ثم مرّة أخرى ثم اختفى.
ربما كان الجبل يستقرّ.
ربما حيوانًا.
ربما وهمًا صنعه الخۏف.
لكن في تلك الليلة بين الرطوبة والفقر والخذلان خطړ لها لأول مرة أن الجبل قد يخفي ما هو أسوأ من الجوع.
لم تدرِ متى بدأ الضوء يتسرّب.
كان البرد لا يزال مغروسًا في العظام لكن الظلام بدأ يتراجع. خيطٌ ذهبيّ من النور تسلّل من بين الصخور ثم آخر حتى انبثق الفجر كرحمةٍ دافئة.
نهضت كريمة بحذر كي لا توقظ أطفالها.
كان جسدها كلّه يؤلمها.
خرجت من المغارة فصفعها الهواء البارد في وجهها.
امتدّت أمامها الجبال واسعة صامتة تتدرّج بين الأخضر والرمادي حتى آخر مدى البصر. وفي الأسفل، بالكاد تُرى ظهرت بيوت قرية عين الجبل الصغيرة.
وهنا رأتها.
على بُعد أمتار قليلة من المغارة كانت هناك بناية قديمة شبه مخفيّة بين الأعشاب الجافة والحجارة.
لم تنتبه لها في الليل.
بدت كبيتٍ مهجور أو ربّما مصلّى متهدّم. سقفه مڼهار جزئيًا بابٌ مائل يتدلّى والطحالب تلتصق بالجدران كمرضٍ أخضر.
اقتربت كريمة بحذر.
دفعت الباب.
صړخ الخشب صريرًا كأنّه يحتجّ على أن يُلمس بعد عقود.
في الداخل رائحة رطوبة وخشبٍ متعفّن وعزلة.
عوارض ساقطة قرميد مكسور أعشاش جافة وغبار في كل مكان.
لكن في وسط الأرض تحت التراب والأغصان برز لوحٌ خشبي مستطيل.
چثت على ركبتيها.
أزاحت الحجارة بيديها اقتلعت جذورًا رفيعة نظّفت السطح حتى ظهرت فتحة قديمة بغطاءٍ خشبي وقفلٍ صدئ أكلته الأعوام.
شدّته بقوّة.
تكسّر المعدن وانفصل.
رفعت الغطاء
فصعد من الأسفل نفسٌ بارد.
درجات حجرية تنزل إلى قبوٍ مظلم.
ترددت لحظة
ثم نزلت.
مع كل خطوة كان الهواء يزداد برودة وثقلًا. ضوء الفجر بالكاد يتسلّل من الأعلى لكنه كان كافيًا ليكشف صناديق خشبية مكدّسة على الجدار أكياسًا مهترئة وجرارًا يغطيها الغبار.
وفي صندوقٍ مفتوح لمع شيء.
اقتربت كريمة ترتجف.
مدّت يدها
وأخرجت قطعة نقدية فضيّة.
ثقيلة.
باردة.
حقيقية.
قلّبتها بين أصابعها فرأت تاريخًا باهتًا
1898
رفعت عينيها ببطء
حولها كان هناك المزيد.
الكثير
عشرات
وربما مئات.
صعدت الدرجات وقلبها يدقّ بعنفٍ في
صدرها،