في تلك الليلة، احتمت أرملةٌ بأطفالها داخل مغارةٍ متجمّدة، ظنًّا منها أنها نجت من البرد…

لكنها لم تكن تعلم أنها نامت فوق سرٍّ مدفونٍ بالألم والجوع والسلطة.
وحين استيقظت، لم تجد النجاة بل حقيقةً كفيلة بتغيير مصير قريتها إلى الأبد.
لم يكن الليل يهبط على الجبال بل كان يلتهمها.
شعرت كريمة بنت سالم بذلك منذ اللحظة الأولى التي اختفى فيها آخر خيطٍ من ضوء الشمس خلف تلال جبال الصحراء الكبرى، وبدأ البرد يتسلّل بين الصخور كأنّ له أصابع حيّة.
لم تكن المغارة سوى جرحٍ مفتوح في جسد الجبل فمٍ أسود بين صخرتين التوتهما السنين. لم تكن بيتًا. لم تكن ملاذًا يليق بالبشر. لم تكن شيئًا يمكن لأمٍّ أن تتخيّله يومًا لأطفالها ومع ذلك، كانت في تلك الليلة كلّ ما تبقّى لهم من العالم.
في الداخل، فوق بطّانيةٍ مهترئةٍ أكلها الزمن، تتقلب أكثر مما تدفئ، كان أطفالها الثلاثة نائمين أو يحاولون النوم.
طارق، ذو الأعوام التسعة، كان جسده متصلّبًا حتى في نومه، كأنّ عليه أن يبقى متأهّبًا، حتى وهو يحلم.
لُجين، ذات الستة أعوام، كانت تهمس بكلماتٍ غير مفهومة، ربّما أغنية وربّما دعاء.
أمّا سامي الصغير، ابن الأعوام الثلاثة، فكان ملتصقًا بجانب أمّه، يتنفّس بأنفاسٍ قصيرة، وبطنه الخاوية تنكمش مع كل شهيق.
كانت كريمة مستيقظة.
أسندت ظهرها إلى جدار المغارة الرطب، وشدّت يديها إلى صدرها لا طلبًا للدفء، بل لتمنع قلبها من أن يتفتّت. لم تكن تصلّي. منذ زمنٍ طويلٍ جفّت الصلوات داخلها. ليس لأنها فقدت إيمانها بل لأن الإيمان نفسه يرهق، حين تبكي امرأةٌ كثيرًا ولا يأتيها أيّ جواب.
في الخارج، كان الريح يصفّر بين الأشجار اليابسة ونباتات الصبّار، كأنّ الجبل يهمس بسرٍّ قديم. كلّما تكسّر غصنٌ أو تدحرج حجرٌ نحو السفح، كانت كريمة ترفع رأسها، والخۏف ينهش عنقها.
كانت تخاف الأفاعي.
وتخاف العقارب.
وتخاف الرجال.
وتخاف الظلام.
لكنّها، فوق كلّ ذلك كانت تخاف من شيءٍ واحد
أن يفتح أطفالها أعينهم ويسألوها سؤالًا بسيطًا لكنه كفيلٌ بتحطيمها
أمّاه هل سنأكل غدًا؟
لأنها، هذه المرّة، لم تكن تملك حتى كذبةً تطمئنهم بها.
لم تكن تعرف ماذا تقول.
قبل أربعة أشهر فقط، كان لديهم كوخٌ بسيط من الطين، وطاولةٌ مائلة، وموقدٌ بدائي، وتعبٌ عاديّ يشبه تعب الفقر. لم يكونوا سعداء كما في الصور المزيّفة لكنهم كانوا عائلة.
كان سالم، زوجها، يعمل من شروق الشمس حتى غروبها في أرض عزّات البدري، أقوى رجل في قرية عين الجبل. الرجل الذي يملك الماء والأرض والقمح والديون والمواسم والخدمات وحتى الصمت.
كان سالم يعود كل ليلة منهكًا، كتفاه منحنيتان ويداه متشقّقتان لكنه كان يعود. وأحيانًا، حين كانت لُجين تغنّي بينما تقدّم كريمة طبق العدس الخفيف، كان الفقر يبدو أقلّ قسۏة.
إلى أن سقط عليه عارضٌ خشبيّ غير مُثبّت داخل مخزن الحبوب في أرض الحاج.
أعادوه محمولًا على الأكتاف غارقًا في دمه عيناه مفتوحتان لكن بلا حياة.
أرسل عزّات عشرة جنيهات لدفنه.
عشرة جنيهات مقابل سنواتٍ من العمل.
عشرة جنيهات مقابل حياةٍ انتهت.
عشرة جنيهات كأنّ الإنسان يُقاس كدجاجةٍ هزيلة أو كيس قمحٍ فاسد.
دفعت كريمة ثمن التابوت الخشبي، وصلاةً سريعة، وقليلًا من الطعام حتى لا يمرّ الأطفال بالحزن وبطونهم خاوية تمامًا.
ثم جاء الاڼهيار الحقيقي.
من دون سالم فقدت حقّها في البقاء في الكوخ. كان الحاج يحتاجه لعاملٍ آخر. خلال أسبوع واحد فقط أصبحت في الشارع.
طرقت الأبواب واحدًا تلو الآخر تعرض الغسيل الخياطة تنظيف الحظائر طحن القمح أيّ شيء.
النساء كنّ يغلقن الأبواب بشفقةٍ باردة.
والرجال كانوا يطيلون النظر أكثر مما ينبغي.
أعطاها إمام المسجد صورةً صغيرة وكلماتٍ مستهلكة.
الدكّان لم يعد يُقرضها شيئًا.
باعت بطانية إناءين حجر الطحن والصليب الخشبي الذي أهداها إيّاه سالم يوم زواجهما.
ثم لم