بنت الشغالة دخلت المكتب السري


كان يحس بدقاته في ودنه، عينيه كانت مثبتة على ملك، والدموع كانت بتتجمع جواهم ومش قادر يسيبها تنزل، عايز يسمع أكتر، عايز يتأكد، عايز يعرف كل حاجة، والخۏف والأمل بيتصارعوا جواه في معركة مرعبة.
ملك بصت له بحنان وشفقة، كانت حاسة بكل ألمه، وكانت عارفة إن الكلام اللي بتقوله ده بيهدم جبال وبيبني جبال، وبلعت ريقها بصعوبة وكملت كلامها بصوت واضح ومؤكد
وكان بيقولي كمان.. كان بيقولي إن عنده بابا غني قوي، وعنده بيت كبير مليان تحف وصور، وإن باباه كان بيجيبه كل يوم هدايا وحاجات حلوة، وإن أمه كانت أجمل ست في الدنيا، وكانت بتعمله أكلات هو بيحبها، وكانت بتغني له قبل ما ينام.. وكان دايماً يقول لي أنا مش يتيم، أنا ليا أهل، وهما جايين ياخدوني قريب.. وكنت أشوفه ساعات بيعيط في سريره بالليل، وبيقول ليه اتأخروا؟ ليه محدش بيسأل عليا؟.
الكلام ده كان زي السكاكين اللي بتدخل في قلب عاصم وتقطعه، كل كلمة كانت بتوجعه أكتر من اللي قبلها، وكل تفصيل كانت بتقوله ملك، كان بيثبت له أكتر إن الولد ده هو ابنه، هو يوسف، هو اللي اختفى من عشر سنين، هو اللي كان فاكره مېت أو ضاع للأبد.
سألها بصوت متهدج ومقطع من البكاء والانفعال وكان بيقولك إيه عن اللي جابوه هناك؟ إزاي وصل للدار دي؟ ومين اللي رماه هناك؟.
ملك بصت للأرض شوية، وكأنها بتفتكر ذكريات موجعة ومخيفة، وبعدين رفعت عينها وبصت له وقالت
كان بيقولي إن ست جابتوه.. ست طويلة وجميلة، وشعرها طويل أصفر، ولابسة هدوم غالية قوي، وكانت بتلبس خواتم وألماظ كتير.. وكان بيقولي إنها كانت تعرفه كويس، وإنها كانت تيجي تزورهم في البيت زمان، وكانت تلعب معاه وتعطيه حاجات حلوة.. وكان بيقولي إنها أخذته من الجنينة، قالت له تعالي أوريك حاجة حلوة قوي برة، واخدته وركبت معاه عربية كبيرة سودة، ومشوا بعيد قوي، لحد ما وصلوا لمكان غريب، وبعدين دخلوه الدار دي، وقالت له استنى هنا شوية، أنا جاية أجيبلك بابا وماما.. ومشيت ومجتش تاني أبداً.
عاصم حس إن الدنيا دارت بيه، وحس إن الكلام ده مألوف قوي، حس إن وصف الست دي مألوف ليه، وبدأ الذكريات ترجع له كلها، بدأ يتذكر كل الناس اللي كانت حوليه، كل الناس اللي كانت تعرفه وتعرف عيلته، كل الناس اللي كانت بتزورهم، وبدأ الشك يدخل قلبه وعقله.. مين دي؟ ومين اللي كانت قريبة منهم قوي لدرجة إنها تاخد ابنه من غير ما حد يحس؟ ومين اللي كان عايز يأذيهم بالشكل المرعب ده؟
سألها بلهفة وقلق وكان بيقولك اسمها؟ أو كان بيقولك أي حاجة تانية عنها؟.
ردت ملك كان بيقولي إنها كانت خالة فريدة هانم.. مراتك يا بيه.. وكان بيقولي إنها كانت دايماً تقول له أنا بحبك قوي يا يوسف، وأنا بحب أمك أكتر من أي حاجة.
الكلام ده نزل على عاصم زي الصاعقة، وقع منه مكانه على الكرسي، ومسك راسه بإيديه، والدنيا كلها سودت في وشه.. خالة فريدة.. سلوى.. أخت أم فريدة، اللي كانت قريبة منهم قوي، اللي كانت عايشة معاهم فترة، اللي كانت تعتبر نفسها جزء من العيلة، اللي كانت دايماً موجودة في كل مناسبة، اللي كانت فريدة بتحبها وبتثق فيها أكتر من أي حد تاني.. هي اللي خطفت ابنه؟ هي اللي ډمرت حياتهم؟ هي اللي كانت السبب في كل العڈاب والۏجع اللي عاشوه عشر سنين كاملين؟
أم أحمد كانت واقفة جنب الباب، ودموعها نازلة