بنت الشغالة دخلت المكتب السري

بنت الشغالة دخلت المكتب السري بتاع الملياردير، وبصت لصورة ابنه المټوفي من عشر سنين وفجأة همست بجملة واحدة خلت القصر كله يتسمر مكانه من الصدمة؛ الجملة دي مش بس هزت كيان الراجل، دي كشفت إن المېت مطلعش مېت، وإن فيه سر أسود اِتدفن مع السنين!
بقالوا عشر سنين كاملين، عاصم الهواري بيدفع ملايين للمحققين، ويدفن في أمله بۏجع، ويعود نفسه إنه ميتأثرش ولا يتهز لما حد ينطق قدامه كلمة ابنك. وفجأة، بنت الشغالة الصغيرة دخلت الطرقة الخاصة بتاعته، وبصت في الصورة المتعلقة فوق الدفاية، وهمست يا بيه.. الولد ده كان عايش معايا في ملجأ الأيتام!. القصر كله اِتلف في حبل سكوت مرعب. مكنش هدوء عادي، ده السكوت اللي بيسبق الصړخة، بيسبق الاعتراف، السكوت اللي بيشقلب الحياة ويفتح المستور ويكشف إن اللي فاكرينهم ماتوا وشبعوا مۏت، لسة عايشين ونفسهم في الدنيا! عاصم الهواري فضل واقف زي الصنم تحت السقف العالي بتاع فيلته الكبيرة، إيديه نازلة جنبه، ووِشه اِتمسح منه كل نقطة ډم. برة، مطر أواخر تشرين كان بيخبط في الزجاج الطويل، وجوة، ساعة الحيطة القديمة مكملة دقاتها البطيئة والقاسېة، نفس الدقات اللي عاشت معاه في كل ذكرى لليوم اللي اِختفى فيه ابنه يوسف وهو عنده أربع سنين بس. عشر سنين بحالهم.. عشر سنين من يوم ما يوسف اِختفى من وسط زحمة الجنينة الكبيرة القريبة من كورنيش الإسكندرية. عشر سنين من يوم ما كلاب الحراسة والشرطة فقدوا أثره عند أول الموقف. عشر سنين من يوم ما صور يوسف وبوستر غيابه المطبوع اِتمسح من على العواميد من كتر المطر والشمس، لحد ما الناس نسيت وبطلت تدور. عشر سنين من يوم ما مراته، فريدة، اِتكسرت كسرة مفيش دكتور في الدنيا عرف يلمها. وعشر سنين من يوم ما عاصم بقى أغنى راجل مكسور ومطفي في البلد كلها. كان يملك فنادق على الساحل، وشركات مقاولات، وأبراج إزاز في القاهرة، وأبراج سياحية من مطروح لحد شرم الشيخ؛ رجالة بشنباتها كانت بتوطي صوتها لما يدخل قاعة الاجتماعات، والمذيعين يقولوا عليه عبقري، والمنافسين يسموه الجبروت اللي مبرحمش. بس كل يوم بالليل، لما العالم يبطل يطلب منه فلوس، وقرارات، وإمضاءات، وعقود، كان عاصم يرجع لنفس الطرقة، لنفس الصورة، ولنفس الۏجع اللي ملوش آخر. يوسف وهو عنده أربع سنين؛ شعره أسود وثقيل، عينه بتلمع، وماسك مركب خشب صغيرة في إيده.. واِبتسامة أمه منورة وِشه.. مستقبل كامل اِتسرق من قبل ما يبدأ. الشغالة همست من آخر الطرقة بصوت مړعوپ أنا آسفة جداً يا عاصم بيه!. عاصم لف راسه براحة؛ أم أحمد كانت واقفة بعبايتها السمرة البسيطة، حاطة إيد على صدرها والإيد التانية ماسكة كتف بنتها ملك، طفلة عندها 12 سنة، رُفيعة وعينها واسعة. أم أحمد مكملتش أسبوعين شغال في الفيلا؛ هادية، ومبتتأخرش، وعمرها ما غلطت، لحد اليوم ده. عاصم قال بنبرة ساقعة خلت الست ترجع لورا من الخۏف أنا مش قلت مفيش مخلوق يدخل الطرقة دي بالذات؟. الست قالت بتلعثم عارفة والله يا بيه، بس عربيتي عطلت الصبح ومستحملتش المطر، ومقيتش حد من الجيران يسيب البنت معاه، قلت لها تقعد في المطبخ ومتحركش، شكلها.. عاصم قاطعها المطبخ تحت مش هنا. الست شدت بنتها حاضر يا بيه.. يلا يا ملك. بس ملك ممشيتش؛ فضلت واقفة وعينها متبتة في الصورة، ملامح وِشها اِتغيرت؛ من فضول عادي، لحيرة، وبعدين لنظرة خلت نَفَس عاصم يتكتم في صدره..