فخدة ضانى


لتتأكد أن الشقة فارغة تماماً. لم تكن تتحرك بهدوء الشخص المړيض أو المكسور، بل كانت تتحرك بخفة ونشاط غريب. توجهت مباش . رة نحو غرفتي أنا وحسام!
حاولت فتح الباب، لكنني كنت قد أغلقته بالمفتاح قبل خروجي تحسباً لأي شيء. عندما وجدت الباب مغلقاً، ظهرت على وجهها ملامح غيظ شديد. لكنها لم تستسلم، بل عادت إلى غرفتها وأحضرت حقيبتها الخاصة، وظلت تبحث فيها حتى أخرجت مجموعة من المفاتيح القديمة!
وقفت أمام باب غرفتي وظلت تجرب المفتاح تلو الآخر، وبدا عليها الإصرار الأعمى، حتى نجحت في النهاية! دار المفتاح في القفل وانفتح الباب.
دخلت حم . اتي إلى غرفتي، واختفت عن رؤية الكاميرا لأنني لم أضع كاميرا داخل غرفة النوم حفاظاً على خصوصيتي مع زوجي. بقيت داخل الغرفة لمدة ثلث ساعة كاملة!
عندما خرجت، كانت ملامحها تتطاير منها الشم . اتة والانتصار، وكانت تحمل في يدها ورقة مطوية بعناية، وضعتها في جلبابها، ثم أعادت غلق باب الغرفة بالمفتاح القديم كما كان، وعادت إلى غرفتها وكأن شيئاً لم يكن!
تلقيت الصدمة وأنا أتنفس بصعوبة. أعدت اللقطة مرتين وثلاثة ليتأكد عقلي مما تراه عيني. الورقة المطوية! لا توجد أوراق هامة في غرفتي أحتفظ بها سوى شيئين إما عقود ملكية نصف الشقة التي وثقتها مع حسام منذ أيام، أو وصولات الأمانة القديمة ومستندات عملي الخاص!
قمت فوراً وذهبت إلى غرفتي، فتحت الدولاب وتوجهت إلى الخزنة الصغيرة التي أضع فيها أوراقي خلف الملابس. فتحتها بيدي المرتعشتين.. لتتحول الصدمة إلى حقيقة مريرة
عقد الشقة الموثق لم يكن موجوداً! لقد س . رقته!
جلست على الأرض وأنا أشعر بالذهول. هل وصلت بها الجرأة إلى س . رقة عقد رس . مي موثق في الشهر العقاري؟ وماذا تظن نفسها فاعلة به؟ هل تعتقد أن اختفاء الورقة يلغي الملكية الم . سجلة في دفاتر الدولة؟ أم أنها تخطط لشيء أبعد من ذ . لك بكثير؟
وفي تلك اللحظة بالذات، س . معت صوت مقب . ض باب غرفة حم . اتي يفتح، وخرجت س . مر ومعها والدتها وهي تودعها بصوت مس . موع. وقفت أنا عند باب غرفتي ونظرت إلى حم . اتي مباش . رة. كانت نظراتها إليّ في تلك اللحظة مليئة بالتحدي والشم . اتة الكامنة، وكأنها تقول لي بعينيها وريني هتعملي إيه دلوقتي يا ست إنجي.
ودعت س . مر وخرجت، والتفتت إليّ حم . اتي وقالت بابتسامة صفراء لم أرها منذ يوم العيد
مالك يا إنجي؟ وش . ك أصفر وزي الليمونة كدة ليه؟ مش عوايدك يعني.. ادخلي ارتاحي يا حبيبتي، ادخلي.
أدركت في تلك اللحظة أنني أمام مواجهة من نوع آخر، وأن اللعب أصبح على المكشوف وبالم . ستندات. تظاهرت بالهدوء التام، ورس . مت ابتسامة باردة على وجهي وقلت لها
أبدًا يا طنط، أنا بخير الحمد لله.. أصل كنت بدور على حاجة غالية عليا أوي في الأوضة، ولقيتها خلاص.. وعرفت مكانها بالظبط.
تغيرت ملامح حم . اتي قليلاً واختفت ابتسامتها، ثم دخلت غرفتها بسرعة وأغلقت الباب.
أما أنا، فربطت جأشي وجلست على السري . ر وأمسكت بهاتفي. لم أكن غبية لأواجهها فوراً أو أص . رخ، فالصړاخ سيعطيها فرصة لإنكار مكان الورقة أو إتلافها. كان يجب أن أطبخ لها فخاً جديداً ينهي هذه الح . رب تماماً وبلا عودة، فخاً يجعلها تخرج العقد بنفسها وأمام حسام.. ولكي أبدأ، كان عليّ أولاً أن أكتشف ما هي الخطوة الشي . طانية التي تنوي حم . اتي فعلها بالعقد الم . سروق
أمضيت بقية اليوم وأنا أتحرك في الشقة كأنني لا أعلم شيئاً، لكن عقلي كان يعمل كآلة لا تتوقف عن التفكير. تذكرت أن القانون لا يحمي المغفلين، لكنه بالتأكيد يحمي من يملك دليلاً مصوراً بصوت وصورة واضحة. اختفاء أصل عقد البيع والش . راء الم . سجل في الشهر العقاري لا يلغي ملكيتي قانوناً، لأن النسخة الرس . مية مسجلة في دفاتر الدولة، لكن س . رقة حم . اتي للعقد كانت تعني شيئاً واحداً إنها تخطط لخدعة مادية أو قانونية بالاتفاق مع شخص آخر، مستغلة جهلها بالقوانين، أو ربما تريد إخفاء العقد لتدفع حسام لإنكار البيع تحت ضغطها.
في تمام الساعة الثامنة مساءً، عاد حسام من عمله. كان يبدو عليه الإرهاق، لكنه ابتس . م بمجرد أن رآني. استقبلته كالعادة، وجهزت له طعام العشاء. وبينما كنا نتناول الطعام، خرجت حم . اتي من غرفتها بملامح هادئة للغاية، بل وجلست معنا على الطاولة وبدأت تتحدث بنبرة ودودة مصطنعة قائلة
تسلم إيدك يا إنجي يا بنتي، الأكل طعمه جميل.. ربنا يخليكي لينا ويهدي سركم.
نظر إليها حسام بفرحة وارتياح شديدين، وظن أن الأزمة انتهت تماماً وأن أمه رضخت للأمر الواقع. نظر إليّ وكأنه يش . كرني بعينيه على طريقتي وهدوئي. أما أنا، فكنت أنظر إلى حم . اتي وأرى خلف قناع الود هذا وجهاً ثعبانياً يتربص بي، فبادلتها الابتسامة بابتسامة أشد منها بروداً وقلت
بالهنا والشفا يا طنط، ده واجبنا.. البيت بيتك في الأول والآخر.
انتهى العشاء، ودخلت حم . اتي غرفتها. انتظرت حتى دخلت أنا وحسام إلى غرفتنا وأغلقت الباب بالمفتاح القديم الذي أصبحت أعلم أن لها نسخة منه. التفتت إلى حسام، وقبل أن أتحدث، أخرجت هاتفي وفتحت تطبيق الكاميرات، ووضعت الشاشة أمام عينيه مباش . رة دون مقدم . ات.
بدأ الفيديو يشتغل.. رأى حسام والدته
وهي تتسلل إلى غرفتنا، وتخرج مجموعة المفاتيح، وتفتح الباب، وتدخل لتس . رق الورقة ثم تخرج ملامحها تشع بالانتصار.
تس . مر حسام في مكانه، وتحولت ملامحه من الارتياح إلى الصدمة والذهول، ثم إلى غض . ب عارم جعل عروق رقبته تبرز بش . كل مخي . ف. كاد أن يص . رخ واندفع نحو الباب ليخرج إليها، لكنني أمسكت بذراعه بقوة وثبات، وقلت له بصوت منخفض وحازم
اثبت مكانك يا حسام.. الصړاخ دلوقتي مش هيفيد، لو دخلت عليها هتنكر، أو هتقولك الورقة مش معايا وأعلى ما في خيلكم اركبوه، أو ممكن تقطع الورقة وتضيع حقنا في معرفة هي ناوية تعمل بيها إيه بالظبط.
تنفس حسام بصعوبة وقال وهو يحاول كتمان غيظه أمي بتس . رق يا إنجي؟! بتس . رق عقود من أوضتي؟! دي مابقتش أمي.. دي بقت حد غريب أنا مش عارفه! هي عايزة تخرب بيتي بأي طريقة؟! قوليلي اعمل إيه.. أنا دمي بيغلي!.
جلست بجانبه وهدأت من روعه وقلت له اس . معني كويس.. أمك فاكرة إنها كدةوتحت حمايتها أخدت الورقة اللي تثبت حقي، وهي متعرفش إن الكاميرا مصوراها، ومتعرفش كمان إن العقد ده متسجل في الشهر العقاري يعني س . رقته ملهاش قيمة قانونية تضيع حقي. لكن الس . رقة دي وراها سر كبير.. هي مش هتحتفظ بالورقة دي في أوضتها، هي هتعطيها لحد عشان يعمل بيها حاجة.. إحنا لازم نعرف مين الشخص ده، ولازم تقع في ش . ر