فخدة ضانى


وبيته بالكامل، أو يضع حداً قاطعاً لتدخلات والدته التي كادت أن تدمر حياته. تنهد وقال بقلة حيلة موافق يا إنجي.. موافق على كل ش . روطك، أنتي استحملتي كتير وده حقك عشان تأمني نفسك وتعرفي إنك صاحبة بيت مش ضيفة.
قاطعت حديثنا أمي وهي تدخل الصالون حاملة الشاي، فتبدلت ملامحي فوراً إلى الابتسامة الطيبة، وجلسنا نتناول الشاي وكأن شيئاً لم يكن. اتفقت مع حسام أنني لن أعود معه في نفس الليلة، بل سأقضي الليلة عند أهلي حتى يذهب هو إلى المنزل ويضع النقاط فوق الحروف مع والدته، على أن يمر عليّ في الصباح الباكر لتوثيق العقود ثم العودة إلى بيتنا.
في تلك الليلة، عاد حسام إلى الشقة. ومن خلال الكاميرات، رأيت المشهد الإضافي من دراما هذه العائلة. كانت حم . اتي تجلس في الظ . لام تبكي بح . رقة، ليس ندمًا على ما فعلته بي، بل لأن ابنتها س . مر قاطعتها وأغلقت الهاتف في وجهها، ولأن ابنها خرج غاض . باً بسببي.
بمجرد دخول حسام، وقفت حم . اتي وقالت بنبرة عتاب مصطنعة
كده يا حسام؟ تسيب أمك يوم العيد لوحدها عشان تروح للست هانم وأهلها؟ دي بدل ما تيجي تبوس على إيدي وتعتذر لي إنها علت صوتها عليا وعملت فتن بيني وبين أختك س . مر؟
نظر إليها حسام بنظرة باردة وجافة للغاية، وقال بصوت حاس . م
أنا مش هجادل معاكي يا أمي، ولا هفتح موضوع الفخدة ولا الكفتة ولا الإهانات اللي وجهتيها لمراتي وأهلها. أنا جاي أقولك كلمتين وبس.. إنجي راجعة بكرة الصبح، ومن بكرة الشقة دي هتبقى نصها باس . مها قانوناً. ومن بكرة برضه، حضرتك ليكي أوضتك، أكلِك وش . ربِك وخدمتِك هتوصلك لحد عندك، لكن خطوة واحدة برة أوضتك عشان تتدخلي في البيت أو في مراتي مش هس . مح بيها، ولو ده مش عاجبك، شقة س . مر بنتك واسعة وتكفي الحبايب، روحي اقعدي عندها.
صُدمت حم . اتي صدمة عمرها، ولم تتوقع أبدًا أن يصل الأمر بابنها إلى حد تخييرها بين الالتزام بحدودها أو الط . رد، خاصة بعد أن خسړت ورقتها الرابحة عند ابنتها س . مر. وقفت مذهولة ولم تنطق بكلمة واحدة، ودخلت غرفتها وهي تجر أ . ذ . يال الخيبة والهزيمة.
في صباح اليوم التالي، جاء حسام كما وعدني. توجهنا فوراً برفقة محامٍ وقمنا بإنهاء كافة الإجراءات القانونية ونقل ملكية نصف الشقة لي رس . ميًا. كنت أشعر بالفخر وأنا أمسك الأوراق بيدي؛ لقد استعدت كرامتي، وأمنت مستقبلي، وعلمت حم . اتي درساً قاس . يًا بأن البيوت لها حرمة، وأن كرامة الأهل خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
عدت إلى الشقة وأنا أرتدي كامل أناقتي وثقتي. فتحت الباب بمفتاحي، ودخلت بخطوات واثقة. كانت حم . اتي تجلس في الصالة، لكنها بمجرد أن رأتني، لم تنطق بكلمة واحدة، بل أشاحت بوجهها ودخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء لم أعهده فيها من قبل.
ابتس . مت في سري، وتوجهت إلى المطبخ لأجهز الغداء لي ولزوجي. ظننت أن الأمور قد استقرت تماماً، وأن القصة انتهت عند هذا الحد من الانتصار لكنني لم أكن أعلم أن هدوء حم . اتي المفاجئ وانعزالها في غرفتها لم يكن استسلاماً، بل كان يخفي وراءه فصلاً جديداً ومؤام . رة أخرى لم تتوقعها مخيلتي
مرت أيام العيد بسلام ظاهري، وكانت الشقة تعيش في حالة من الصمت التام. حم . اتي التزمت غرفتها لا تخرج منها إلا للضرورة القصوى، وإذا تقاطعت طرقنا في الممر كانت تشيح بنظرها بعيداً وتتظاهر بعدم رؤيتي. أما حسام فكان يحاول بشتى الطرق تعويضي وإرضائي، وكان يرى في هدوء أمه دليلاً على أن الدرس قد نجح وأن المياه عادت إلى مجاريها.
لكن غريزي كإمرأة كان يخبرني بأن هذا الهدوء مريب، فإمرأة بتركيبة حم . اتي وشخصيتها الم . سيطرة لا يمكن أن تستسلم بهذه السهولة، خاصة بعد أن كُسرت هيبتها أمام ابنتها وكُتب نصف البيت باس . مي.
في أحد الأيام، بعد مرور حوالي أسبوعين على الح . ادثة، كان حسام في عمله، وكنت أتابع تنظيف المطبخ وترتيب المنزل. فجأة، س . معت صوت جرس الباب يَرن. ذهبت لأفتح، فوجدت أمامي س . مر، شقيقة حسام.
كانت ملامح س . مر متوترة ومترددة، ولم تكن تحمل تلك النبرة الح . ادة التي اعتادت عليها. نظرت إليّ وقالت بنبرة خفيضة
إزيك يا إنجي.. كل سنة وأنتي طيبة.
رددت عليها بهدوء ووقار وأنتي طيبة يا س . مر، اتفضلي.
دخلت س . مر وجلست في الصالة، وظلت تفرك يديها بقلق. سألتها إن كانت تريد رؤية والدتها، فتنحنحت وقالت أنا هقعد مع ماما طبعاً، بس أنا كنت جاية أتكلم معاكي أنتي الأول كلمتين يا إنجي.. بخصوص اللي حصل في العيد.
توق . عت أن تبدأ بالعتاب أو الدفاع عن والدتها، لكن ما قالته صدماني تماماً. نظرت إليّ وقالت
أنا جيت النهاردة عشان ميبقاش في شيل نفوس بيننا. أنا عرفت إن ماما غل . طت في حقك وفي حق أهلك، وأنا نفسي اتقهرت لما عرفت إنها صغرتني قدام جوزي وأخدت حاجة مش بتاعتي. بس أنا جاية أنبهك يا إنجي.. أمي مابتسكتش على حقها، وهي مش طايقة فكرة إنك أخدتي نص الشقة وبقيتي صاحبة كلمة هنا.
حاولت الحفاظ على برودي وقلت والله يا س . مر، أنا مأخدتش غير حقي، والبيت بيت أخوكي وهو اللي رغب في كدة عشان يرجعني ويصلح غل . طة والدتك.
تنهدت س . مر وقالت وهي تقف متوجهة لغرفة والدتها أنا قولت اللي عندي عشان ضميري يرتاح وعشان حسام أخويا ميتأ . ذ . يش.. خدي بالك من نفسك ومن بيتك الفترة اللي جاية.
تركتني س . مر ودخلت إلى غرفة حم . اتي، وأغلقت الباب خلفها. جلست أنا في الصالة وعقلي يطبخ الأفكار. خدي بالك من نفسك ومن بيتك؟ ماذا تقصد س . مر؟ هل خططت حم . اتي لشيء وأخبرت به ابنتها؟ أم أن س . مر تلاحظ تحركات غريبة؟
تذكرت فوراً كاميرات المراقبة السرية التي وضعتها في الصالة والممر. طوال الأيام الماضية لم أكن أراجع التسجيلات بدقة لأن حم . اتي كانت تقضي أغلب وقتها في غرفتها. لكن كلام س . مر أثار فيّ الرع . ب والفضول معاً.
أمسكت بهاتفي وفتحت التطبيق الخاص بالكاميرات، وبدأت أراجع تسجيلات الأيام الثلاثة الماضية بالسرعة المضاعفة، مركّزة على الأوقات التي أكون فيها خارج المنزل لش . راء الطلبات أو لزيارة أهلي.
في البداية، لم يكن هناك شيء غريب؛ حم . اتي تخرج لتش . رب الماء أو تدخل الحمام وتعود. لكن عندما وصلت لتسجيل يوم أمس ظهراً، وهو الوقت الذي كنت فيه عند طبيبة الأسنان لمدة ساعتين، رأيت شيئاً جعل دماء في عروقي تتجمد.
رأيت باب غرفة حم . اتي يفتح ببطء. خرجت وتلفتت حولها في الصالة