نزعتُ الأصفاد عن متهم عجوز… فظهرت على ذراعه علامة والدي المېت وانقلبت حياتي!


الأمر بتعب مستمر. ثم تشخيص. ثم فواتير. ثم سقوط سريع.
ولماذا لم تطلبا المساعدة؟
ضحك بمرارة.
حين تعيش طويلًا في الهامش، تتعلم أن العالم لا يراك إلا إذا أخطأت.
لم أستطع الرد.
لأن جزءًا مني كان يعرف أن هذا صحيح.
بعد نحو ساعة، خرجنا من المحكمة.
كان الغروب قد بدأ يصبغ السماء بلون نحاسي باهت. وقفتُ للحظة أمام المبنى، أنظر إلى الناس الداخلين والخارجين، إلى السيارات، إلى الحياة اليومية التي تمضي غير عابئة بأن عالم رجل ما قد انقلب قبل دقائق رأسًا على عقب.
لطالما بدت لي المحكمة مكانًا مغلقًا، منفصلًا عن الحياة الحقيقية. الناس يدخلون إليها وهم يحملون مشاكلهم، ثم يخرجون منها بأوراق أو قرارات أو مواعيد جديدة. لكن ذلك اليوم جعلني أراها بشكل مختلف.
أحيانًا لا تكون المحكمة مجرد مكان للحكم.
أحيانًا تكون مكانًا تصطدم فيه حياة بحياة، وسرّ بسرّ، وماضٍ بحاضر، فيخرج الجميع منها على هيئة أخرى.
ركب جيمس معي في السيارة الرسمية لأن الإجراءات لم تكتمل تمامًا بعد، وكان لا يزال رسميًا تحت المرافقة، لكن الوضع لم يعد كما كان. لم أعد أجلس إلى جواره باعتباري حارسًا يراقب متهمًا.
كنا رجلين يذهبان نحو حافة قصة قديمة، ليروا ما بقي منها.
طوال الطريق لم نتكلم كثيرًا.
كان ينظر من النافذة بصمت، وأنا أقود ويدي مشدودة على المقود.
ثم قال فجأة
كنت أشبهك به وأنت واقف في القاعة.
نظرت إليه سريعًا.
قال
ليس في الوجه فقط. في طريقتك حين تحاول أن تبقى قويًا بينما كل شيء داخلك ينهار.
ابتسمت بحزن.
هذه صفة جيدة أم سيئة؟
قال
مؤلمة.
ثم أضاف بعد لحظة
لكنها جميلة أيضًا.
وصلنا إلى مبنى قديم متآكل الحواف، تلمع لافتته بنصف إنارة فقط. فندق رخيص يؤجر غرفًا أسبوعية للعمال والعابرين والمنسيين. صعدنا سلّمًا ضيقًا تفوح فيه رائحة الرطوبة والمنظفات الرخيصة. توقف جيمس أمام باب يحمل الرقم 214.
تردد قبل أن يفتحه.
ثم قال بصوت خاڤت
قد تكون نائمة. المړض أتعبها كثيرًا.
أومأت.
فتح الباب ببطء.
كانت الغرفة صغيرة إلى حد يجعل التنفس فيها يبدو صعبًا. سرير واحد، كرسي مكسور الحافة، طاولة عليها أكواب ورقية وعبوات دواء ناقصة، ونافذة نصف معطلة يدخل منها ضوء شاحب.
وعلى السرير كانت ترقد امرأة هزيلة، يغطي الشحوب وجهها، لكن ملامحها ما زالت تحتفظ بأثر جمال قديم وهدوء غريب.
رفعت رأسها بصعوبة عندما دخلنا.
قالت بصوت ضعيف
جيمس؟
ثم رأتني.
وبدا عليها القلق فورًا.
ماذا حدث؟
اقترب منها جيمس بسرعة، وجلس إلى جانبها، وأمسك يدها برفق.
قال
كل شيء بخير أو ربما، لأول مرة منذ زمن طويل، بدأ يصبح بخير.
نظرت إليه بعدم فهم.
ثم نظر إليّ.
وقال بصوت ارتجف رغم محاولته الثبات
هذا ماركوس ابن ديفيد.
لم تفهم في البداية.
ثم اتسعت عيناها ببطء.
وقالت هامسة
ديفيد من الحړب؟
أومأ جيمس.
وضعت يدها الحرة على فمها.
كان واضحًا أنها سمعت الاسم مئات المرات من قبل، لا كاسم عابر، بل كجزء من ضمير زوجها وندمه وذكرياته.
قلت بهدوء
أنا آسف على الدخول المفاجئ. لكني أردت أن أتعرف إليكِ.
نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت
لقد ذكرَك قبل أن يذكرك العالم كله.
التفتُّ إلى جيمس.
أما هو فاكتفى بخفض رأسه.
قالت إليانور بصوت متعب
في الليالي الصعبة، عندما كان يظن أنني نائمة، كان يبكي أحيانًا. وكان يقول اسمين دائمًا ديفيد وماركوس.
شعرت بأن قلبي ينضغط.
كم مرة عشت حياتي غير مدرك أن هناك رجلًا في مكان ما، مهشمًا ومنسيًا، يذكر اسمي وهو غارق في شعور بالعجز والدين؟
جلست على الكرسي الوحيد تقريبًا، بينما بقي جيمس إلى جوارها. وتحدثنا طويلًا.
أخبرتني إليانور كيف التقت جيمس بعد الحړب بسنوات، حين كان قد بدأ ينهض قليلًا من سقوطه. أخبرتني أنه لم يكن شريرًا يومًا، بل رجلًا هاربًا من نفسه. يعمل فترة، ثم