نزعتُ الأصفاد عن متهم عجوز… فظهرت على ذراعه علامة والدي المېت وانقلبت حياتي!


ديفيد جونسون قُټل في المعركة في العشرين من مايو عام 1969 في دونغ أب بيا تلة هامبرغر.
شحبت ملامح جيمس.
فتح فمه، لكنه لم يستطع الكلام.
ثم قال بصوت مرتجف
ديفيد؟ ديفيد جونسون؟
قلت
نعم هل كنت تعرفه؟
بدأ العجوز يرتجف أكثر مني.
همس
يا إلهي هل أنت الطفل؟ هل أنت ماركوس؟
شعرت وكأن الأرض اختفت تحت قدمي.
كيف يعرف اسمي؟
قلت بصوت مرتعش
نعم أنا ماركوس.
أغلق جيمس عينيه، وانزلقت دمعتان كبيرتان على خديه المتعبين.
قال بصوت خاڤت
كنت معه يا بني كنت إلى جانبه عندما ماټ.
لكن ما رواه بعد ذلك لم ينسه أحد في تلك القاعة.
ساد الصمت في القاعة كأن الزمن نفسه توقف احترامًا لتلك اللحظة.
كان الجميع ينظر إلى القاضي روبنسون، لا بوصفه صاحب المطرقة والقرار فحسب، بل بوصفه الرجل الوحيد في تلك اللحظة القادر على أن يرجّح كفة القانون أو كفة الرحمة. حتى الموظفة الجالسة إلى يمينه، التي اعتادت تدوين الملاحظات من دون أن ترفع رأسها، رفعت عينيها نحوه. والمدعي العام، الذي كان قبل دقائق يتحدث ببرود آلي عن أدلة واضحة وطلب الحكم، بدا وكأنه لم يعد واثقًا من نبرة صوته ولا من صلابة موقفه. أما جيمس، فظل واقفًا منكّس الرأس، وكأن كل ما قاله قد أفرغه من آخر ما تبقى فيه من قوة.
أطرق القاضي لحظات طويلة.
لم يتكلم أحد.
حتى صوت أجهزة التكييف، الذي كنت أسمعه دائمًا كخلفية باهتة لا ينتبه إليها أحد، صار في تلك اللحظة واضحًا على نحو مزعج، كأن القاعة تحاول أن تملأ فراغ الصمت بشيء ما.
ثم رفع القاضي روبنسون نظره أولًا إلى جيمس، ثم إليّ، ثم إلى الملف الموضوع أمامه.
وقال بصوت هادئ، مختلف تمامًا عن صوته الجاف الذي كان يملأ القاعة قبل دقائق
لقد أمضيتُ سنوات طويلة في هذه المنصة، وقرأت آلاف الملفات، وسمعت آلاف الأعذار. وأكثر ما يرهق القاضي مع مرور الوقت ليس كثرة الچرائم بل كثرة القصص التي تأتي متأخرة، بعد أن يكون الإنسان قد سقط بالفعل.
بلع جيمس ريقه، لكنه لم يرفع عينيه.
أكمل القاضي
القانون وُجد ليحفظ النظام، لكنه لا يطلب منا أن نتخلى عن إنسانيتنا.
ثم نظر إلى المدعي العام وقال
هل لدى الادعاء ما يثبت أن المتهم ارتكب عنفًا، أو اعتدى على أحد، أو حاول الهرب، أو باع ما سرقه؟
تردد المدعي لحظة، ثم قال
لا يا حضرة القاضي. المتهم تعاون مع الشرطة عند القبض عليه، والبضاعة استعيدت كاملة تقريبًا.
أومأ القاضي برأسه.
ثم سأل
هل لديه سوابق عڼيفة؟
فتح المدعي الملف بسرعة، وقلب بعض الأوراق، ثم قال
لا سوابق عڼيفة. توجد مخالفات قديمة، وتشرد، وبعض المخالفات المتعلقة بالسكر في أماكن عامة قبل سنوات كثيرة، لكن لا توجد جرائم اعتداء.
ساد الصمت مرة أخرى.
وضع القاضي يديه فوق المكتب، ثم قال ببطء شديد
إذن نحن أمام رجل عجوز، مريض الروح، محطم الحياة، سرق دواءً لامرأة ټصارع المړض بعد أن أمضى حياته كلها هاربًا من حرب لم يغادرها قط.
رفع جيمس رأسه لأول مرة.
كانت عيناه حمراوين، متعبتين، وفيهما شيء أقرب إلى الذهول.
كأنه لم يكن معتادًا أن يتحدث عنه أحد بهذه الطريقة.
ثم قال القاضي الجملة التي غيّرت كل شيء
تُؤجل المحكمة إصدار الحكم. ويُحال السيد جيمس باترسون إلى برنامج المراقبة العلاجية والخدمة المجتمعية، بدلًا من الحبس. كما تأمر المحكمة بإخطار الخدمات الاجتماعية والمحاربين القدامى للنظر فورًا في وضعه ووضع زوجته الصحي.
لم أفهم في البداية ما سمعته.
بدا لي الأمر أكبر من أن تستوعبه أذناي بسرعة.
لكن القاعة فهمت.
انتشر همس خاڤت، ثم شهقات صغيرة، ثم ساد الصمت مرة أخرى حين رفع القاضي يده.
أضاف بصوت أكثر حزمًا
وأقول هذا
بوضوح