نزعتُ الأصفاد عن متهم عجوز… فظهرت على ذراعه علامة والدي المېت وانقلبت حياتي!


المحكمة لا تكافئ السړقة. لكنها أيضًا لا تعاقب البؤس كما لو كان شرًا خالصًا.
ثم نظر مباشرة إلى جيمس وقال
لقد أخطأت، يا سيد باترسون. ولكن يبدو أنك تدفع ثمن أخطائك منذ زمن طويل.
انفرجت شفتا جيمس، لكنه لم يجد كلمات يقولها.
كان يبكي بصمت.
ثم الټفت القاضي نحوي، وقال
أما أنت، أيها الضابط جونسون فأقترح عليك أن تجلس لبضع دقائق. لست في حالة تسمح لك بالوقوف كأن شيئًا لم يحدث.
ضحك بعض الحاضرين ضحكة قصيرة مرتبكة، ذلك النوع من الضحك الذي يخرج من الناس عندما يكونون على حافة البكاء. وأنا فعلًا شعرت بأن ساقيّ لم تعودا قادرتين على حملي. تراجعت خطوة إلى الخلف، وتمسكت بحافة المقعد الخشبي القريب مني.
لم أكن أصدق ما جرى.
دخلتُ المحكمة في ذلك الصباح وأنا أحمل داخلي نفس الفراغ الذي حملته طوال حياتي صورة لرجل لم أعرفه، ووسام في صندوق قديم، وبعض كلمات مبعثرة كانت أمي تقولها عن شجاعته كلما سألتها عنه.
وخلال أقل من عشر دقائق صار لذلك الفراغ صوت.
وصار له شاهد.
وصار له اسم آخر غير الشهيد.
صار أبي فجأة إنسانًا من لحم ودم رجلًا خاف على صديقه، وفكر في أطفاله، وركض رغم الخطړ، وماټ وهو ينقذ غيره.
لا أعرف كم مر من الوقت بعدها.
ربما دقائق.
ربما عمر كامل.
كل ما أتذكره أن القاضي أنهى الجلسة، وأن الموظفين بدؤوا يتحركون من جديد، وأن الناس خرجوا ببطء كما لو أنهم لا يريدون كسر قدسية تلك اللحظة. بعضهم كان ينظر نحوي، وبعضهم ينظر إلى جيمس، وبعضهم يهز رأسه فقط في صمت.
اقترب مني المدعي العام.
كان رجلاً أعرفه منذ سنوات، صارمًا، قليل الابتسام، ولا يحب أن تختلط العاطفة بالقانون. لكنه في تلك اللحظة بدا مختلفًا.
قال بصوت منخفض
أنا لم أكن أعرف.
أجبته وأنا لا أزال أحدق في الفراغ
ولا أنا.
هز رأسه، ثم نظر إلى جيمس وقال
سأتحدث مع أحد معارفي في قسم المحاربين القدامى. ربما نستطيع تسريع الإجراءات.
نظرت إليه بدهشة خفيفة.
قال كمن يبرر لنفسه أكثر مما يبرر لي
الرجل يحتاج مساعدة أكثر مما يحتاج زنزانة.
ثم ابتعد.
أما جيمس فظل واقفًا في مكانه، كأنه لا يعرف هل يصدق ما حدث أم لا. اقتربت منه ببطء. لم أعد أراه كمتهم. ولم أعد أرى نفسي كحارس قضائي فحسب.
وقفت أمامه.
رفع رأسه نحوي.
كان وجهه غارقًا في الدموع، وعيناه فيهما ذلك الانكسار الذي لا يصنعه يوم واحد، بل تصنعه حياة كاملة من السقوط.
قال بصوت مرتعش
لم أطلب منه أن يفعل ذلك.
أجبته بصوت هادئ
أعرف.
هز رأسه پعنف، وكأنه يريد أن يطرد الفكرة من داخله.
أقسم لك لم أطلب منه. صړخ في وجهي أن أنخفض، لكنني كنت متجمدًا. لم أتحرك. كان بإمكانه أن يتركني. كان بإمكانه أن ينجو لكنه عاد.
شعرت بحرارة الدموع خلف عيني من جديد.
قلت
هذا ما كان عليه، إذن.
نظر إليّ وكأنه لم يفهم.
أكملت
هذا هو الرجل الذي كنت أبحث عنه طوال حياتي ولم أعرفه.
اهتز فكه قليلًا.
ثم قال
كنت أريد أن أزور أمك. مرات كثيرة. بعد الحړب مباشرة. كتبت رسالة ثم مزقتها. كتبت أخرى ومزقتها أيضًا. كنت أقول لنفسي ماذا سأقول لها؟ إن زوجها ماټ من أجلي؟ إنني عدت وهو لم يعد؟
خفض رأسه.
ثم بدأت أشرب. ثم فقدت عملي. ثم خسړت كل شيء شيئًا فشيئًا. وفي كل سنة كنت أقول سأبحث عنهم عندما أستقيم. عندما أصلح حياتي. عندما أصبح رجلًا يستحق أن يقف أمام أرملته وابنه. لكن السنوات كانت تمر وأنا أزداد ضياعًا.
كان كلامه يخرج ثقيلًا، كما لو أنه ينتزع كل جملة من قاع روحه.
قلت له
أمي ماټت منذ سبع سنوات.
أغلق عينيه.
بدت