نزعتُ الأصفاد عن متهم عجوز… فظهرت على ذراعه علامة والدي المېت وانقلبت حياتي!


ينظف سلاحھ، بعضهم يكتب رسائل، وبعضهم يحدق في الظلام صامتًا. أما والدي فكان من النوع الذي يسأل غيره إن كانوا بخير، قبل أن يتحدث عن نفسه.
قال إنه ذات مرة اقتسم معه آخر قطعة حلوى وصلته في طرد بريدي، رغم أنه كان يدخرها منذ أيام.
وقال إنه في مرة أخرى خلع جواربه الجافة الوحيدة وأعطاها لجندي أصغر سنًا كان قد أصيب بحمى شديدة.
وقال إنه في صباح المعركة الكبرى، قبل ساعات فقط، قال لجيمس إذا خرجنا من هذا المكان أحياء، سأعود إلى البيت وأبقى أسبوعًا كاملًا أحمل طفلي ولا أتركه لأحد.
عندما قالها جيمس، وضعت يدي على فمي.
لم أستطع احتمال الصورة.
رجل في الثانية والعشرين، عالق في حرب بعيدة، يحلم فقط بأسبوع مع طفله.
أسبوع واحد.
فقط.
ثم جاء المۏت وأخذ حتى هذا الحلم البسيط.
قلت بصوت متعب
لم أحصل على شيء منه لا ذكرى، لا صوت، لا لمسة.
أجاب جيمس فورًا، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات
بل حصلت.
نظرت إليه.
قال
حصلت على ما تركه في الناس.
سكتُّ.
أكمل بصوت خفيض
هناك رجال عاشوا لأن والدك لم يهرب. وهناك رجال حافظوا على إنسانيتهم لأنهم رأوه يفعل الصواب عندما كان الأسهل أن يفكر في نفسه فقط. وأنا واحد منهم حتى وإن ضعت بعد ذلك.
كانت الجملة الأخيرة موجعة في صدقها.
ليس لأنه يدعي البطولة لنفسه، بل لأنه لا يفعل.
كان يتكلم كرجل يعرف تمامًا أنه فشل في أن يكون على مستوى الټضحية التي قُدمت من أجله.
وهذا، على نحو ما، جعلني أصدقه أكثر.
في تلك اللحظة، تقدمت كاتبة المحكمة نحونا بخطوات مترددة.
قالت بصوت لطيف
أيها الضابط جونسون حضرة القاضي يسأل إن كنت بحاجة إلى إنهاء مناوبتك لهذا اليوم.
نظرت إليها.
ربما لو سألتني قبل ساعة لقلت لها إنني بخير، وإن العمل عمل، وإن القاعة لن تضبط نفسها بنفسها. لكنني لم أعد الرجل نفسه الذي دخل هنا في الصباح.
قلت
نعم أظن أنني بحاجة إلى بعض الوقت.
أومأت برأسها وتراجعت.
ثم أضافت بعد لحظة
كما أن حضرة القاضي طلب أن يُسمح للسيد باترسون بالجلوس في الغرفة الجانبية إلى أن تأتي موظفة الخدمات الاجتماعية.
شكرتها بعيني فقط.
بعد قليل، انتقلنا إلى غرفة صغيرة خلف القاعة، فيها طاولة مستديرة، وموزع ماء، وكراسٍ بسيطة من البلاستيك المقوى. غرفة رأيتُ عشرات المتهمين يجلسون فيها من قبل، لكنها بدت لي يومها مكانًا مختلفًا تمامًا، كأنها صارت غرفة اعترافات متأخرة لا تخص القانون بل الحياة نفسها.
جلس جيمس أمامي.
كانت يداه لا تزالان ترتجفان بين الحين والآخر.
قلت له
أخبرني عن اليوم الذي سبق المعركة.
نظر إلى السقف قليلًا، كما لو أنه يبحث عن الذكرى في مكان مادي يمكن الوصول إليه.
ثم قال
كان الجو خانقًا. الرطوبة تلتصق بالجلد. لم نكن نعرف أن اليوم التالي سيصير جرحًا في ذاكرتنا جميعًا. كنا مرهقين، متسخين، نائمين واقفين تقريبًا. لكن والدك لا أدري لماذا كان أكثر هدوءًا من المعتاد.
بسبب الرسالة؟
ربما.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال
قال لي شيئًا لن أنساه أبدًا. قال إن متُّ غدًا، فلا تدع ابني يظن أنني كنت خائفًا.
شعرت بأنفاسي تتعثر.
قلت بسرعة
قال ذلك؟
نعم.
هل كان خائفًا؟
ابتسم جيمس ابتسامة موجوعة.
كلنا كنا خائفين. الرجل الشجاع ليس من لا ېخاف بل من يفعل ما يجب رغم خوفه. وهذا كان والدك.
تركت رأسي ينخفض قليلًا.
كأنني كنت أحتاج إلى سماع هذه الجملة تحديدًا.
لا صورة أسطورية لرجل خارق لا يتألم ولا يرتجف.
بل إنسان.
إنسان خاف ثم تقدم.
هذا النوع من الشجاعة فقط هو الذي يمكن تصديقه.
سألته بعد صمت
هل قال شيئًا أخيرًا؟
تغيرت ملامح جيمس.
تحرك فكه كأنه يطحن كلمات صعبة.
قال بعد لحظة طويلة
نعم.
تجمدت.
خفض جيمس عينيه إلى يديه، ثم قال
عندما