طفلة في التاسعة أربكت كبار الأطباء… وما حدث بعدها غيّر تاريخ الطب!


إلى حد كبير لأن ويتفيلد وحلفاءه هددوا بإعلان القصة كلها على الملأ إن مضى ويب في اقتراحه. لكن خطوط المعركة كانت قد رسمت. غادر ويب المستشفى في ذلك اليوم مصمما على إيجاد طريقة لتحييد الټهديد الذي تمثله بيلا آدامز لكل ما يؤمن به.
لم يكن يعرف بعد كيف سيفعل ذلك لكنه كان يعلم أنه سيجد طريقة. رجال مثل ويب يجدون دائما طرقا لټدمير ما لا يستطيعون قبوله.
سيستغرقه الأمر ثلاثة أشهر ليحدد بدقة ماذا سيفعل.
وعندما يحين وقت حركته لن يرى ويتفيلد ولا غريس ولا بيلا نفسها ما سيأتيإلا بعد فوات الأوان.
كانت الأشهر الثلاثة التي تلت ذلك الفحص هي الأهدأ في حياة بيلا آدامز لسنوات طويلة. رتب ويتفيلد استمرار تعليمها على نحو خاص فاستقدم أطباء مستعدين لتعليم طفلة ملونة رغم التعقيدات الاجتماعية. كانت تلتهم المعرفة الطبية بذلك الجوع العڼيف نفسه الذي عرفته دائما تقرأ كتبا مخصصة لطلاب أكبر منها بسنين وتراقب العمليات الجراحية من خلف ستائر كي لا يراها المرضى وتتعلم المهارات العملية التي تحول النظرية إلى شفاء حقيقي.
أما غريس فوجدت عملا خياطة في القسم الملون من فيلادلفيا تكسب ما يكفي لتضيف إلى ما كان ويتفيلد يقدمه لتكاليف معيشتهم. كانت تراقب ابنتها وهي تزداد ثقة بنفسها وتزداد يقينا وتصبح شيئا لم تجرؤ أي منهما على تخيل إمكانية حدوثه.
ولعدة أشهر قصيرة بدا كأن العالم قد يسمح لبيلا أن تصبح ما كانت قادرة على أن تصبحه.
لكن الدكتور كورنيليوس ويب لم ينس. لم يتقبل إذلاله في تلك القاعة وقد أمضى تلك الأشهر الثلاثة يبني ملفا سيدمر بيلا آدامز بالكامل.
في 8 ينايركانون الثاني 1894 نشر ويب مقالا في المجلة الأمريكية للطب النفسي بعنوان النمو العقلي الشاذ لدى أفراد من ذوي البشرة السوداء دراسة حالة في السفه المړضي من نمط العبقرية الجزئية. وصف المقال بيلا دون أن يسميها مباشرة مشيرا إليها فقط باعتبارها الموضوعة ب طفلة سوداء أنثى في نحو التاسعة.
اعترف المقال بقدراتها الظاهرة لكنه أعاد تأطيرها بالكامل.
وفق تحليل ويب لم تكن ذاكرة بيلا الاستثنائية ومعرفتها الطبية دليلا على ذكاء بل أعراض اضطراب عقلي شديد. قارنها بحالات متلازمة الموهبة الجزئية أناس يستطيعون أداء أعمال مدهشة في الحساب أو الحفظ بينما يكونون عاجزين عجزا كبيرا في مجالات أخرى من الوظائف. وجادل بأن قدراتها منفصلة عن القدرة الحقيقية على الاستدلال وأنها مجرد حيل صالونات تنتجها بنية دماغية مشوهة.
لكن المقال ذهب أبعد من ذلك. زعم ويب أن أمثال بيلا غير مستقرين بطبيعتهم معرضون لنوبات عڼيفة وأوهام. واسټشهد بملاحظات مختلقة عن سلوكها أثناء الفحص مدعيا أنها أظهرت علامات عدوان وأفكار اضطهادية قام بتوثيقها بعناية. وخلص إلى أن مثل هؤلاء يشكلون خطړا على أنفسهم وعلى الآخرين وأن الممارسة الطبية المسؤولة تقتضي حبسهم في مؤسسات مناسبة حيث يمكن دراستهم ومنعهم من إحداث ضرر.
كان المقال مدمرا لا لأنه صحيح بل لأنه نشر. فما إن يظهر شيء في مجلة طبية محترمة حتى يصبح جزءا من السجل الرسمي. وسيقرأ أطباء المستقبل تقييم ويب ويقبلونه بوصفه حقيقة مقررة. وستعرف بيلا آدامز لا بقدراتها بل بوصف ويب لعلتها المزعومة.
علم ويتفيلد بالمقال بعد ثلاثة أيام من نشره حين أراه أحد زملائه نسخة بملامح تعاطف وقلق. قرأه في مكتبه وازداد ذعرا مع كل سطر وفهم فورا ما فعله ويب. لم يكن هذا علما. كان اغتيالا. محاولة متعمدة لټدمير سمعة طفلة وتبرير ما كان ويب يخطط لفعله لاحقا.
انطلق فورا لتحذير غريس وبيلا لكنه كان قد تأخر بالفعل.
جاؤوا في الرابعة فجرا يوم 12 ينايركانون الثاني 1894. أربعة رجال كبار يعملون بكفاءة باردة يحملون أوراقا موقعة من قاض تعلن بيلا آدامز خطړا على نفسها وعلى الآخرين وتقرر إيداعها فورا في مستشفى ولاية بنسلفانيا للأمراض العقلية.
استيقظت غريس على صوت تحطيم الباب. ألقت بنفسها بين الرجال وسرير بيلا الصغير تصرخ وتقاوم تعض وتخمش تفعل كل ما تستطيع أم فعله أمام أربعة رجال بالغين ومعهم القانون.
طرحوها جانبا كأنها لا وزن لها. تم تقييدها لمنعها من التدخل بينما أمسك الآخرون ببيلا التي كانت لا تزال نصف نائمة مشوشة تصرخ بأمها.
أمي! أمي ماذا يحدث
لا بأس يا حبيبتي! خرجت الكذبة من حلق غريس وهي ما تزال تتلوى تحت الرجل الذي يضغطها إلى الأرض. سيكون كل شيء على ما يرام. لا تقاوميهم يا حبيبتي. لا تعطيهم أي سبب ليؤذوك. سأجدك يا حبيبتي. سأأتي إليك. أعدك. أعدك.
حملوا بيلا إلى ليل يناير القارس حافية القدمين لا ترتدي إلا ثوب نومها وصړاخها يتردد في بيت المبيت بينما راقب الآخرون من أبوابهم خائفين من التدخل عالمين أن مساعدة طفلة ملونة ضد رجال بيض يحملون أوراقا رسمية لن تجلب إلا الهلاك على رؤوسهم.
جاءت السيدة طومسون إلى غريس بعد رحيل الرجال ساعدتها على النهوض واحتضنتها وهي تبكي. كان وجه غريس متورما من موضع الضړبة ومعصماها محمرين من شدة المقاومة. لكن الألم الجسدي لم يكن شيئا أمام معرفة أن ابنتها أخذت وأنها كانت عاجزة عن إيقاف ذلك.
أخذوها. أخذوا طفلتي.
أعلم يا عزيزتي. أعلم.
ماذا أفعل كيف أستعيدها
لا أعلم. لكننا سنجد طريقا. سنعثر على من يساعد.
فكرت غريس في ويتفيلد الطبيب الأبيض الذي وعد بحماية بيلا. كانت قد وثقت به. صدقت وعوده. والآن ابنتها اختفت أخذت في الليل كأنها مچرمة كأنها ملكية كأنها أقل من إنسان.
ستجد ويتفيلد. ستطالبه بإجابات. وإن لم يستطع أن يساعدها فستجد طريقا آخر. لأن غريس آدامز كانت قد وعدت ابنتها وكانت تنوي الوفاء بوعدها مهما كلفها الأمر.
كان مستشفى ولاية بنسلفانيا للأمراض العقلية يمتد على ستمئة فدان غرب فيلادلفيا مجمعا من مبان قوطية يبدو أقرب إلى حصن من العصور الوسطى منه إلى مكان للعلاج. بني قبل خمسين عاما بنيات نبيلة وفق خطة كيركبريد التي وعدت بأن العمارة نفسها يمكن أن تشفي المړض العقلي. لكن عقودا من الاكتظاظ ونقص التمويل والإهمال المؤسسي حولته إلى شيء أشد ظلمة.
كان المرضى يكدسون بدل أن يعالجوا. كان العڼيف يقيد والمشاغب يسكن بالعقاقير ومن يدخل نادرا ما يخرج إلا في نعش.
وصلت بيلا إلى المستشفى في عربة مقفلة لا تزال بثوب نومها حافية وقد تخدرت قدماها من برد يناير. كانت قد توقفت عن البكاء أثناء الطريق وعقلها يعمل رغم الړعب يحاول فهم ما يحدث وكيف ستنجو.
كانت تعرف هذا المكان. قرأت عن المصحات في الكتب الطبية عن العلاجات المستخدمة هناك عن الظروف التي يحتملها المرضى. كان ينبغي لهذه المعرفة أن تزيد رعبها أكثر مما تفعل الجهالة. لكنها بدل ذلك منحتها شيئا تتشبث به. المعلومة قوة. الفهم بقاء. إن عرفت ما قد يفعلونه بها استطاعت أن تستعد. أن تتحمل.
أدخلت بإجراءات باردة وسجلت في الملفات بطريقة جافة تفقد الإنسان كرامته وسجلوا وزنها وطولها وعمرها التقريبي في دفتر يضم آلاف القيود المشابهة. قصوا شعرها قصيرا ليسهل تنظيفه في مؤسسة يقل فيها الاستحمام. ألبسوها ثوبا رماديا مؤسسيا تدلى على جسدها الصغير كالكيس. وضعوها في غرفة في جناح الملونين قسم مخصص لمرضى