طفلة في التاسعة أربكت كبار الأطباء… وما حدث بعدها غيّر تاريخ الطب!


متشككا في البداية. طفلة ملونة بمعرفة طبية بمستوى الأطباء بدت فكرة مستحيلة. خدعة أخرى في زمن كان مليئا بالادعاءات الزائفة عن العباقرة وأصحاب القدرات الخارقة.
لكن واحدا تلو الآخر فحص زملاء ويتفيلد بيلا وخرجوا مذهولين عاجزين عن إنكار ما شاهدوه. لم تكن تحفظ فقط كانت تفكر. لم تكن تردد كانت تستدل. كانت تفعل ما يفعلونه هم لكن بسرعة أكبر ودقة أعلى.
قضى الدكتور إدوارد مارش أستاذ التشريح في كلية طب جامعة بنسلفانيا أربع ساعات وهو يسأل بيلا عن بنية جسم الإنسان. وعندما انتهى جلس صامتا دقائق قبل أن يتكلم.
قال جيمس هذا أروع ما رأيته في مسيرتي. هذه الطفلة تعرف التشريح أكثر من نصف طلابي. ليس مجرد حفظ للحقائق بل فهم حقيقي. صححت لي مرتين نقاطا كنت مخطئا فيها. صححت لي أنا. هل تتخيل ما الذي يمكن أن تصبح عليه مع تدريب صحيح
قال ويتفيلد أتخيل. ولهذا جلبتها إلى هنا. السؤال هو هل سيسمح لها العالم بأن تصبح شيئا أصلا
فحص الدكتور روبرت سوليفان اختصاصي أمراض القلب فهم بيلا لطب القلب وهو المجال الذي ظهرت فيه موهبتها أولا. خرج من غرفة الفحص شاحبا.
قال وصفت حالة رأيتها الشهر الماضي مريضا بعرض غير معتاد لمرض في صمامات القلب. لم تر المړيض ولم تسمعني أتحدث عن الحالة قط. لكن حين وصفت الأعراض حددت الحالة فورا. ثم اقترحت نهجا علاجيا لم يخطر ببالي. عدت إلى المراجع الطبية وتحققت. اقتراحها كان سديدا بل أكثر من سديد. لو فكرت به وقتها لربما تعافى المړيض أسرع.
توقف سوليفان مترددا.
قال جيمس لا أفهم كيف يمكن لهذا أن يكون. كل ما تعلمته عن الفروق العرقية في القدرة العقلية يقول إن هذه الطفلة لا ينبغي أن توجد لكنها موجودة. إنها جالسة في تلك الغرفة الآن وتعرف عن طب القلب أكثر مما يعرفه أطباء تدربوا سنوات. ماذا يعني ذلك
قال ويتفيلد يعني أن ما تعلمته كان خطأ. ليس خطأ جزئيا بل خطأ كاملا. الذكاء لا يعبأ بلون البشرة. لم يفعل ذلك قط. نحن
فقط قلنا ذلك لأنه كان مناسبا لبنى اجتماعية أردناها. بيلا آدامز تكشف الكذبة. والسؤال هو هل سيصدقها أحد أم سيبحثون عن طرق لتفسيرها بعيدا
ومع انتشار الخبر في الأوساط الطبية عن الفتاة الملونة ذات القدرات المستحيلة تباينت ردود الأفعال. بعض الأطباء أرادوا لقاءها للتحقق بأنفسهم. بعضهم رفض الأمر كله وعده خدعة متقنة. وبعضهم رأى في بيلا ټهديدا ينبغي التخلص منه.
وكان الدكتور كورنيليوس ويب من الفئة الأخيرة.
كان في السادسة والخمسين أستاذا للطب النفسي في كلية جيفرسون الطبية وأحد أكثر الأصوات احتراما في المجال الناشئ لعلم الأعراق. أمضى عقودا يبني منظومة نظريات عن الفروق البيولوجية بين الأعراق مستخدما قياسات الجمجمة ودراسات وزن الدماغ ليزعم أن تدني الذكاء لدى الزنوج ليس حالة اجتماعية بل قانون طبيعي. اسټشهد بعمله في قرارات قانونية تكرس الفصل وفي حجج سياسية ضد تعليم الزنوج وفي أوراق علمية تعامل تفوق البيض كحقيقة ثابتة.
والآن كانت طفلة ملونة في التاسعة في فيلادلفيا تهدد بتحطيم كل ما بناه.
سمع ويب لأول مرة عن بيلا من زميل شاهد إحدى عروض ويتفيلد. وصف الزميل قدرات الطفلة بمزيج من الدهشة والارتباك محاولا التوفيق بين ما رأى وما يؤمن به من تراتبية عرقية. استمع ويب بقلق يتزايد. هذا النوع من الادعاءات خطېر. إن سمح له أن يثبت دون تحد فسيوفر ذريعة للمطالبين بالاندماج والمناهضين للعبودية ليقلبوا النظام الاجتماعي القائم. وسيعني أن عقودا من البحث العلمي في فروق الأعراق كانت خطأ. وسيقوض أسس الفصل والبنى القانونية التي تحفظ هيمنة البيض.
كتب ويب إلى ويتفيلد يطلب إذنا لفحص الطفلة بنفسه. كانت رسالته مهذبة مهنية مصاغة كفضول علمي. قال إنه يريد التحقق من الادعاءات والتأكد من سلامة المنهجية وحماية المجتمع الطبي من الإحراج إن كانت القصة خدعة.
فهم ويتفيلد الخطړ فورا. كان قد قرأ منشورات ويب. عرف أجندته. السماح لويب بفحص بيلا يشبه دعوة ذئب ليقيم حملا.
لكن رفض الطلب سيخلق مشكلات أخرى. كان ويب نافذا ومتصلا قادرا على إلحاق ضرر كبير بسمعة ويتفيلد ومسيرته إن شاء. وكان هناك اعتبار استراتيجي أيضا إن فحص ويب بيلا واضطر للاعتراف بقدراتها فسيكون لذلك وزن هائل. اعتراف منظر عرقي بارز بأن طفلة ملونة تملك ذكاء استثنائيا سيكون ضړبة قاصمة لإطاره النظري.
كان السؤال هل سيعترف ويب بذلك أم سيجد طرقا لرفض ما يرى
استشار ويتفيلد غريس آدامز قبل اتخاذ القرار. جلس في غرفتها الصغيرة في بيت المبيت وشرح الموقف بينما كانت بيلا تتمرن على قراءة مجلة طبية في الزاوية تتحرك شفاهها قليلا وهي تلتهم صفحة بعد صفحة.
قال هناك طبيب يريد فحص بيلا طبيب بنى حياته المهنية على إثبات أن الملونين أقل ذكاء. إن سمحت له برؤيتها فقد يحاول تشويهها وإيجاد تفسيرات تلغي موهبتها. قد يكون عدائيا مهينا. لكن إن رفضت سيقول إننا نخفي شيئا وإن الأمر كله خدعة. لديه من النفوذ ما يجعل هذا الاتهام يصدق.
سكتت غريس لحظة.
قالت ماذا ترى بيلا
نظر الاثنان إلى الطفلة التي توقفت عن القراءة وأخذت تراقبهما بتلك العينين البنيتين شديدتي الإدراك.
قالت بيلا أظن أنه يجب أن يراني. لأنه إن لم يفعل سيقول إنني لست حقيقية. وسيصدقه الناس لأنهم يريدون أن يصدقوه. لكن إن رآني وأريته ما أستطيع فعله فإما أن يعترف بالحقيقة أو ېكذب. وإن كڈب واستطعت أن أثبت أنه ېكذب فسيعرف الجميع أنه كذاب. وهذا ليس قليلا.
قال ويتفيلد أنت تدركين أنه قد يكون قاسېا عليك. قد يقول أشياء فظيعة ليجعلك تشعرين بأنك بلا قيمة. أمثاله لا يختلفون فكريا فقط. إنهم يؤمنون في أعماقهم أنك أدنى. ومواجهة دليل يثبت خطأهم تغضبهم وأحيانا تجعلهم خطرين.
لم يتغير تعبير بيلا.
قالت يا سيدي أنا ملونة منذ ولدت. أعرف ما يظنه الناس بي. أسمعهم يهمسون عندما أمر. أراهم يعبرون الشارع كي لا يقتربوا. نوديت بأسماء لن تكررها أمي وقيل لي إنني أقل قيمة من التراب تحت أقدام البيض. رجل آخر يفكر بذلك عني لن يحطمني. لكن إن استطعت أن أجعله يبدو غبيا أمام الآخرين إن استطعت أن أظهر خطأه بوضوح يراه الجميع فقد يكون ذلك ذا قيمة. قد يغير شيئا.
كانت في التاسعة. لم يكن ينبغي أن تضطر إلى التفكير بهذه الأشياء. لم يكن ينبغي أن تطور استراتيجيات لمواجهة العنصرية بدقة قائد يخطط لمعركة. لكن هذا كان العالم الذي تعيش فيه وقد كانت تفكر فيه منذ زمن أطول مما أدركه أحد.
قال ويتفيلد حسنا. سأرتب الفحص. لكن سأكون حاضرا طوال الوقت وسأضع قواعد. يمكنه أن يختبر قدراتك لكنه لا يحق له إهانتك. يمكنه أن يسأل لكنه لا يحق له أن يستجوب. وإذا أردت التوقف في أي لحظة نتوقف. لن أسمح له أن يؤذيك.
قالت بيلا بهدوء لا تستطيع أن تعد بذلك. لا أحد يستطيع أن يعد بذلك. لكنني أقدر أنك تحاول.
حدد الفحص في 15 أكتوبرتشرين الأول 1893 في مستشفى فيلادلفيا العام. اختار ويتفيلد قاعة محاضرات كبيرة ظنا منه أن