قال زوجي إنه مسافر للعمل خمسة عشر يومًا…


كاملة.
وحين ظهرت النتائج أخيرًا بكت بصمت داخل غرفة الطبيبة.
لقد كانت بخير.
شعرت وقتها أن الله رحمها قبل أن تضيع حياتها بالكامل.
خرجت من العيادة ووقفت طويلًا في الشارع.
رفعت وجهها إلى السماء وهي تحاول منع دموعها.
ثم همست
الحمد لله.
أما ياسين
فاستأجر شقة صغيرة وعاش فيها مع هالة.
وفي البداية كان يظن أنه اتخذ القرار الصحيح.
كانت هالة تهتم به تُحضّر له الطعام وترافقه إلى الطبيب.
وتجلس معه ساعات طويلة.
وكان يكرر دائمًا فترة علاج فقط وكل شيء سيعود طبيعيًا.
وبالفعل بدأت حالة هالة تتحسن بسرعة واضحة.
كانت نتائج تحاليلها أفضل مع كل زيارة والطبيب طمأنها أكثر من مرة أن العلاج يسير بشكل ممتاز.
وفي أحد الأيام خرجت من العيادة وهي تبتسم لأول مرة منذ شهور.
وقالت لياسين بارتياح
الحمد لله الطبيب قال إنني أصبحت أفضل بكثير الآن.
ابتسم لها بتعب
لكنه شعر بشيء ثقيل ينقبض داخله.
لأن الطبيب قال له قبل دقائق فقط
حالتك تحتاج متابعة أطول والاستجابة ليست بنفس السرعة.
ومنذ تلك اللحظة بدأ كل شيء يتغير.
هالة التي كانت تبقى بجانبه دائمًا صارت أكثر ضيقًا وعصبية.
تتذمر من تعبه المستمر ومن مواعيد المستشفى.
ومن مزاجه المنهك.
أما ياسين فكان يزداد ضعفًا يومًا بعد يوم.
خسر الكثير من وزنه وصار يغيب عن عمله باستمرار.
وحتى وجهه تغيّر.
وفي كل مرة ينظر إلى نفسه في المرآة كان يرى رجلًا يدفع ثمن لحظة ظنها سعادة.
أما هالة فكلما تحسنت صحتها ازدادت رغبتها في الهروب من تلك الحياة.
بدأت تخرج كثيرًا تتأخر خارج البيت وأحيانًا تختفي يومًا كاملًا دون تفسير.
وحين يسألها ترد ببرود
لا أستطيع أن أعيش طوال الوقت بين الأدوية والمستشفيات.
وفي إحدى الليالي
عاد ياسين من جلسة علاج طويلة وهو بالكاد يستطيع الوقوف.
ناداها أكثر من مرة. لكن الشقة كانت صامتة.
اقترب من الغرفة ببطء
فوجد خزانتها مفتوحة ومعظم ملابسها اختفت.
شعر ببرودة تسري في جسده.
أمسك هاتفه بسرعة واتصل بها مرة
ثم عشرات المرات.
لكنها لم ترد.
وفي منتصف الليل فقط وصلته رسالة قصيرة
تعبت من هذه الحياة يا ياسين سامحني.
ظل يقرأ الرسالة طويلًا.
ثم جلس على طرف السرير يبكي لأول مرة منذ شهور.
في تلك اللحظة فقط فهم الحقيقة القاسېة كاملة.
المرأة التي خاطر ببيته وابنته وزوجته لأجلها
رحلت فور أصبحت الأيام ثقيلة.
أما مريم التي كسر قلبها
فكانت الوحيدة التي لم تهنه أمام الناس، ولم تفضحه رغم كل ما فعله.
مرت الأسابيع بعدها ببطء قاسٍ صار ياسين أضعف بكثير.
وجهه شاحب دائمًا وخطواته متعبة.
حتى أمه بدأت تبكي كلما رأته وكان كل يوم يكتشف شيئًا جديدًا
أن البيت الهادئ الذي كان يملكه
كان نعمة.
وأن الزوجة الأصيلة لا تُعرف في أيام القوة بل حين يسقط الرجل.
وفي إحدى الليالي
سقط ياسين مغشيًا عليه داخل المسجد بعد صلاة العشاء.
وحين وصل الخبر إلى مريم
شعرت بقلبها يرتجف رغم كل شيء.
قاومت نفسها كثيرًا.
قالت إنها لا يجب أن تهتم وأنه اختار طريقه بنفسه.
لكنها في النهاية ذهبت.
دخلت غرفته في المستشفى بهدوء.
وحين رآها بكى.
بكى بطريقة لم ترها منه من قبل.
لم يكن بكاء رجل يحاول إقناع امرأة بالعودة.
كان بكاء إنسان فهم متأخرًا حجم خسارته.
قال بصوت متعب
كنت أظن أن الحب هو أن يفعل الإنسان ما يريد ثم يعود فيُسامحونه.
سكت قليلًا وهو يتنفس بصعوبة.
ثم أكمل
لكنني فهمت متأخرًا أن الإنسان لا يعرف قيمة بيته إلا حين يضيعه بيده.
لم ترد مريم.
كانت تنظر إليه فقط إلى وجهه الشاحب وعينيه المرهقتين وضعفه الذي لم تتخيله يومًا.
ثم قال بصوت مكسور هالة تركتني حين تعبت وأنتِ جئتِ رغم كل ما فعلته بكِ.
أخفضت مريم عينيها.
ثم قالت بهدوء
لأن بيني وبين الله عشرة يا ياسين ولأنني لا أترك مريضًا وحده حتى لو كسر قلبي.
بكى أكثر ومنذ تلك الليلة