قال زوجي إنه مسافر للعمل خمسة عشر يومًا…


يحمل هاتفه معه حتى إلى المطبخ.
يراقبه باستمرار ويقلبه كل دقيقة تقريبًا.
وفي منتصف الليل
استيقظت مريم فلم تجده بجانبها.
خرجت تبحث عنه بهدوء فوجدته في الصالة المظلمة يتحدث همسًا في الهاتف.
وحين رآها أغلق الخط فورًا.
قال بسرعة
كانت مكالمة تخص العمل.
لكن وجهه لم يكن وجه رجل يتحدث عن العمل.
في صباح اليوم التالي
كان ياسين في الحمام حين دخلت مريم الغرفة تبحث عن منشفة لابنتها الصغيرة
وقعت عيناها على حقيبته نصف المفتوحة قرب الخزانة.
لم تكن تنوي التفتيش.
لكن شيئًا داخلها دفعها نحوها.
اقتربت ببطء
ثم فتحت الجيب الداخلي الصغير.
في البداية لم ترَ سوى أوراق عادية.
حتى سقط ملف أبيض مطوي على الأرض.
انحنت تلتقطه بلا اهتمام
لكنها تجمدت فور أن قرأت الاسم أعلى الصفحة.
هالة.
شعرت بقلبها يخفق پعنف.
فتحت الورقة بسرعة.
نتائج تحاليل.
ووصفة علاج.
وموعد لإعادة فحص بعد أيام.
وكانت هناك جملة واضحة جعلت الډم يبرد في عروقها
يُنصح بإبلاغ جميع المخالطين المباشرين، لأن العدوى قابلة للانتقال.
توقفت أنفاسها فجأة.
شعرت أن أصابعها فقدت الإحساس.
وفي تلك اللحظة تحديدًا
اهتز هاتف ياسين فوق السرير.
ظهر اسم هالة.
ظلت مريم تنظر إلى الشاشة للحظات، ثم فتحت الرسالة بيد مرتجفة.
قال الطبيب إنه يجب علينا إعادة التحليل
تكررت كلمة علينا داخل عقلها وشعرت أن الأرض تميد تحتها.
إذًا هالة وياسين كلاهما مريض.
رفعت يدها إلى فمها فجأة وهي تشعر بالغثيان ليس لأنه خاڼها فقط.
بل لأنه عرف أن المړض ينتقل ثم عاد إلى بيتها، ونام بجوارها، ولم يخبرها بشيء.
وفي اللحظة نفسها خرج ياسين من الحمام.
وحين رأى الأوراق والهاتف بيدها
اختفت الألوان من وجهه دفعةً واحدة.
اقترب بسرعة وانتزع الهاتف منها پعنف وهو يقول
لماذا تفتشين في أشيائي؟
لكنها لم تعد تسمعه.
كانت تنظر فقط إلى الخۏف الحقيقي في عينيه.
ذلك الخۏف الذي لا يشبه خوف رجل انكشف بخېانة
بل خوف رجل يعرف أنه عاد إلى بيته وهو يحمل خطرًا أخفاه عنها عمدًا.
تراجعت خطوة ببطء وهي تشعر أن جسدها كله يرتجف.
ثم رفعت عينيها إليه وهمست بصوت مكسور
هل كنت تعرف بمرض هالة؟
بعد لحظات طويلة من الصمت
تراجع ياسين خطوة إلى الخلف، وكأن الكلمات أصابته في صدره مباشرة.
أما مريم
فكانت تنظر إليه بعينين لم يعرفهما من قبل.
لم تكن تصرخ.
لم تنهَر.
ولم تلقِ شيئًا في وجهه كما يحدث في الأفلام.
كانت فقط تنظر إليه
وهذا ما أخافه أكثر.
قبضت على الأوراق بيد مرتجفة، ثم قالت بصوت منخفض متقطع
هل كنت تعرف بمرض هالة وساكت؟
فتح فمه ليجيب، لكن الكلمات اختنقت داخله.
اقترب منها بسرعة وهو يحاول أخذ الملف من يدها
مريم اسمعيني أولًا
ابتعدت عنه فورًا، وكأنه أصبح غريبًا عنها.
ثم همست پصدمة موجوعة
إلى هذه الدرجة لم أكن مهمة عندك؟
إلى هذه الدرجة لم يهمك ماذا قد يحدث لي؟
أطرق رأسه دون رد.
فشعرت بشيء داخلها ينهار أكثر.
لأن صمته كان اعترافًا كاملًا.
قالت وهي تنظر إليه بعينين دامعتين
كنت ستخبرني متى؟
حين أصل إلى مرحلة لا ينفع معها علاج؟
أم بعد أن تتأكد أنني لن أكتشف شيئًا؟
رفع رأسه بسرعة
لا تقولي هذا
ضحكت بمرارة موجوعة.
ولماذا لا أقوله؟
أنت عدت إلى البيت وكأن شيئًا لم يحدث.
نمت بجواري.
ولم تقل كلمة واحدة.
ابتلع ريقه بصعوبة.
كان يتنفس پعنف واضح، ويمسح وجهه المرتبك كل بضع ثوانٍ.
ثم قال أخيرًا بصوت مكسور
لم أكن أعرف كيف أخبرك.
نظرت إليه بعدم تصديق.
لكنك كنت تعرف بما يكفي لتخفي الأوراق.
صمت.
وتعرف بما يكفي لتعيد التحاليل.
صمت مرة أخرى.
شعرت مريم بالغثيان.
لم تعد ترى أمامها الرجل الذي أحبته يومًا.
كل ما كانت تراه
رجلًا خائفًا على نفسه فقط.
وفجأة قال بسرعة
الطبيب قال إن العلاج موجود والأمر يمكن السيطرة عليه.
رفعت عينيها إليه ببطء.
إذًا المړض مؤكد؟
تجمّد للحظة.
وهنا فهمت الإجابة كاملة قبل أن ينطق.
شعرت ببرودة تسري في جسدها.
ثم رفعت الملف أمام