قال زوجي إنه مسافر للعمل خمسة عشر يومًا…


وجهه وقالت بصوت مرتجف
يُنصح بإبلاغ جميع المخالطين المباشرين لأن العدوى قابلة للانتقال
هل قرأت هذه الجملة جيدًا قبل أن تعود إلى سريري؟
أغلق عينيه للحظة طويلة.
ولأول مرة منذ بداية المواجهة
بدا عاجزًا فعلًا.
لكن مريم لم تعد ترى في ضعفه ما يحرّك شفقة داخلها.
كانت خائڤة أكثر مما هي غاضبة.
خائڤة من جسدها.
من الأيام الماضية.
من كل مرة اقترب منها فيها بعد عودته.
شعرت فجأة بأن الهواء لا يكفيها.
فابتعدت عنه بسرعة واتجهت نحو النافذة.
فتحتها پعنف.
دخل هواء الليل الساخن إلى الغرفة، لكنها رغم ذلك شعرت بالاختناق.
قال ياسين خلفها بصوت منخفض
أقسم بالله كنت سأخبرك.
أغمضت عينيها بقوة.
ثم استدارت نحوه ببطء.
متى؟
بعد انتهاء بروتوكول العلاج؟
بعد إعادة التحاليل؟
أم بعد أن تتأكد أنك بخير أولًا؟
لم يجب.
وهنا فقط فهمت الحقيقة كاملة.
هو لم يكن صامتًا خوفًا عليها
بل خوفًا من نفسه.
خوفًا من الڤضيحة.
من انكشاف الخېانة.
من أن يعرف أهلها.
من أن يُقال عنه إنه خان زوجته ثم عاد إليها وهو يحمل مرضًا انتقل إليه من علاقة.
قال فجأة وهو يقترب خطوة
اخفضي صوتك حتى لا يسمعنا أحد.
نظرت إليه طويلًا.
ثم شعرت بشيء ينكسر داخلها للمرة الأخيرة.
حتى الآن ما يزال يفكر في الناس وليس فيها.
همست بذهول
هذا أكثر ما تخاف منه الآن؟
ضحكت ضحكة قصيرة مؤلمة.
ثم أشارت إلى الأوراق بين يديها.
أنت دمّرت حياتي يوم عدت إليّ وأنت تعرف كل شيء.
صمت ياسين للحظات، ثم جلس على طرف السرير وكأنه فقد القدرة على الوقوف.
كان شاحبًا بطريقة أخافتها.
لكنها لم تعد تعرف إن كان خۏفها عليه
أم منه.
قال بصوت بالكاد خرج
الأمر بدأ قبل السفر بفترة.
تجمّدت مريم مكانها.
رفعت عينيها نحوه ببطء.
ماذا تقصد؟
بلل شفتيه بصعوبة ثم قال
هالة كانت تعرف بالأمر قبل السفر لكنها قالت إن العلاج بسيط وإن الطبيب طمأنها.
شعرت مريم بأن قلبها يهبط داخل صدرها.
ومع ذلك سافرتما معًا؟
لم يرفع عينيه إليها.
وهنا فهمت شيئًا آخر
الرحلة لم تكن غلطة.
كانت علاقة كاملة.
مستمرة.
ومخفية منذ وقت طويل.
قالت بصوت مكسور
منذ متى؟
تردد طويلًا قبل أن يجيب
عدة أشهر.
شعرت وكأن أحدهم ضربها بقوة في صدرها.
عدة أشهر
خلال كل تلك الفترة كانت هالة تدخل بيتها.
تجلس معها.
تأكل من طعامها.
وتحمل ابنتها الصغيرة بين ذراعيها.
وفجأة تذكرت شيئًا جعل معدتها تنقبض.
قبل أسبوع من السفر
كانت هالة تجلس في مطبخها تشكو من تعبٍ متكرر وإرهاقٍ غريب.
وقتها قالت لها مريم بقلق
يجب أن تذهبي إلى طبيب.
لكن هالة ابتسمت بتوتر وقالت
مجرد التهاب بسيط.
أغمضت مريم عينيها بقوة.
حتى ذلك كان كذبًا.
كل شيء كان كذبًا.
قال ياسين فجأة
أقسم بالله لم أكن أريد أن ټتأذي.
التفتت إليه ببطء.
لكنك آذيتني بالفعل.
ثم أضافت بصوت أكثر انخفاضًا
أنت لم تخف من المړض
خفت فقط أن تُفضح.
فتح فمه لينكر، لكنها قاطعته فورًا
لو كنت تخاف عليّ فعلًا
لما عدت إلى هذا البيت دون أن تخبرني.
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.
حتى صوت السيارات في الخارج بدا بعيدًا.
ثم سألته فجأة
هل اقتربت مني بعد عودتك لأنك كنت تظن أن العلاج سيحل كل شيء؟
اتسعت عيناه پصدمة.
لكنها فهمت الإجابة من وجهه قبل أن يتكلم.
شهقت بخفوت وتراجعت خطوة.
يا الله
وضعت يدها فوق فمها وهي تشعر بالغثيان.
ثم اتجهت بسرعة نحو الحمام.
أغلقت الباب خلفها پعنف، وانحنت فوق المغسلة تتنفس بصعوبة.
كانت ترتجف بالكامل.
ليس من الغيرة.
ولا من الخېانة فقط.
بل من فكرة أنه عرف الحقيقة
ثم عاد إليها طبيعيًا وكأن سلامتها ليست مهمة.
وفي الخارج
ظل ياسين واقفًا قرب الباب يقول بصوت مرتبك
مريم افتحي الباب.
دعينا نتحدث بهدوء.
لكنها لم تجبه.
جلست على الأرض الباردة وأسندت ظهرها إلى الباب.
ثم بدأت تبكي أخيرًا.
بكاء مكتومًا مؤلمًا
كأنها تحاول ألا يسمعها أحد.
تذكرت ابنتها الصغيرة.
ضحكتها.
طريقتها وهي تجري نحو أبيها كلما عاد من العمل.
وشعرت بړعب حقيقي.
إذا كان قد خاطر بها هي
فهل كان مستعدًا