طردوها من بيت أهلها وهي حامل… فوجدت في الخړابة سرًا مدفونًا منذ الحړب!


أسابيع. وكان في تلك النظرة شيء جمّد الډم في عروقها.
لقد كان يعلم.
بطريقة ما، كان دون أوريليو يعلم أن ثمة شيئًا مخبأً في ذلك البيت، وأنه لن يتوقف حتى يعثر عليه.
في تلك الليلة، لم تستطع إينيس أن تنام. ظلت متكوّرة قرب الڼار، وبطانية الصوف التي أهدتها لها إسبيرانثا فوق كتفيها، ويداها على بطنها، تشعر بركلات الطفل الذي لا يكف عن الحركة، كأنه هو أيضًا يعرف أن شرًّا يقترب.
فكرت في الهرب، في أن تجمع أشياءها القليلة، وتمشي إلى محطة الحافلات، وتركب أول حافلة تغادر إلى أي مكان لا يكون هذا المكان. لكن إلى أين يمكن أن تذهب، وهي في شهرها الثامن، بلا مال، بلا أسرة، بلا إنسان واحد في الدنيا يحبها؟
ثم كان هناك الكبرياء، ذلك الكبرياء العنيد الذي ورثته عن جدها، والذي كان يقول لها إن الهرب الآن معناه أن تمنح دون أوريليو حقه، وأن تثبت له أن النساء الوحيدات هشّات بالفعل كما يظن. وهي لم تكن لتعطيه هذا الرضا.
لن تغادر مكانًا صنعته بيديها، لمجرد أن رجلًا ذا مال ورجال يعتقد أنه يستطيع أن ينتزعه منها. قبضت يديها فوق بطنها وهمست للطفل أنهما سيبقيان، وأنهما سيقاومان، وأنهما سيجدان طريقة للنجاة، حتى لو وقف العالم كله ضدهما.
وفي مكان ما من تلك الجبال، في بيت كبير له إسطبلات مملوءة بالخيول وحظائر مزدحمة بالغنم، كان دون أوريليو ميدينا جالسًا في مكتبه يفكر بالضبط في الكيفية التي سيُخرج بها تلك الفتاة العنيدة من بيت آل مونتيرو.
وُلد الطفل في فجر السادس من يناير سنة 1953، يوم الملوك المجوس، حين كان أطفال إسبانيا كلها يستيقظون مهرولين ليروا الهدايا التي تركها لهم المجوس في أحذيتهم.
كانت إينيس قد بدأت تشعر بالآلام في الليلة السابقة. في البدء جاءت على هيئة تقلصات خفيفة ظنت أنها من البرد، ثم تحولت إلى موجات كانت ټخطف أنفاسها، وتجبرها على التمسك بالجدار حتى لا تقع. لم تكن تعرف ماذا تفعل.
لم ترَ ولادة من قبل عن قرب. ولم يشرح لها أحد قط ما ينبغي أن تتوقعه أو كيف تستعد. وظلت وحدها ساعات طويلة بدت أبدية، تمشي في المطبخ لأن السكون كان أسوأ، وتعض قطعة قماش كي لا تصرخ، وتصلي في سرها إلى عذراء الأحزان أن تمنحها القوة لتتحمل.
وحين صارت الآلام من الشدة بحيث لم تعد قادرة على المشي، زحفت إلى فراش القش في الغرفة الصغيرة، واستلقت على ظهرها وركبتاها مثنيتان، تلهث كحيوان جريح.
وعندئذ، حين كانت قد فقدت الإحساس بالزمن، وكان الخۏف قد طغى على كل ما عداه، سمعت وقع خطوات في الفناء، وصوت إسبيرانثا يسألها إن كانت بخير. أرادت إينيس أن تجيب، لكن لم يخرج منها سوى أنين. وكان ذلك كافيًا كي تدخل العجوز مسرعة، ومعها حقيبة قماش فيها خرق نظيفة وأعشاب.
وصلت إسبيرانثا كما لو كانت تعرف على وجه الدقة متى سيحتاجان إليها. وبعد سنوات، ستظل إينيس تتساءل كيف أمكن أن تظهر في تلك اللحظة بالذات من غير أن يكون أحد قد دعاها.
تولت العجوز السيطرة على الموقف بسلطة من أدخلت إلى العالم مئات الأطفال، وتعرف تمامًا ماذا ينبغي فعله في كل لحظة. قالت لإينيس أن تتنفس ببطء، وألا تضيّع قوتها في الصړاخ، وأن تحتفظ بها كلها للدفع حين تحين الساعة. وأجبرتها على شرب منقوع عشبي كانت قد أحضرته جاهزًا في زجاجة، وكان طعمه مرًا، لكنه خفف الألم قليلًا. وظلت ساعات طويلة تخاطبها بصوت ثابت مطمئن، تخبرها أن كل شيء يسير على ما يرام، وأن الطفل في الوضع الصحيح، وأنه لم يبقَ الكثير.
تمسكت إينيس بذلك الصوت كما يتمسك الغريق بحبل، وتركت نفسها تنقاد لتعليمات إسبيرانثا، حين لم تعد تملك طاقة على الاعتماد على نفسها. واستمرت الولادة حتى بدأ الفجر يبيضّ في جهة الشرق، وحتى دخل أول ضوء الصباح من نافذة الغرفة، فصبغ الجدران بلون رمادي وردي بدا غير واقعي. وفي تلك اللحظة بالذات، حين كانت الجبال في الخارج مغطاة بطبقة رقيقة من الثلج تجعل العالم كله يلمع كما لو أنه وُلد من جديد، خرج الطفل أخيرًا إلى الدنيا.
مزق البكاء صمت البيت كأنه دق جرس. بكاء حاد غاضب، بكاء من يحتج على انتزاعه من مكان دافئ آمن إلى عالم بارد مجهول.
قطعت إسبيرانثا الحبل السري بمقص أخرجته من حقيبتها، ونظّفت الطفل بقطعة قماش مبللة، ثم رفعته لترى إينيس. كانت طفلة صغيرة مجعدة، كما يكون جميع المواليد، لكنها كاملة في كل تفصيل، بعينين مطبقتين، وقبضتين مشدودتين، وخصلة شعر سوداء كسواد جناح الغراب ملتصقة برأسها الرطب.
مدّت إينيس ذراعيها لتأخذها، وحين شعرت بثقل ذلك الجسد الصغير على صدرها، وحين شعرت بدفء تلك الحياة التي نمت في داخلها تسعة أشهر، انكسر شيء في أعماقها. لا بالطريقة التي تنكسر بها الأشياء السيئة، بل بالطريقة التي ټنفجر بها السدود حين لا تعود تقوى على حبس الماء.
بكت. بكت كما لم تبكِ منذ أن ألقت أمها الحقيبة من النافذة. بكت على كل ما فقدته، وعلى كل ما ربحته للتو. بكت من فرط الإرهاق، ومن شدة الارتياح، ومن حب هائل كان يؤلم في صدرها كما تؤلم الجراح المفتوحة.
وسمّتها ألبا، لأنها وُلدت مع الفجر، ولأن تلك الصغيرة كانت بعد كل ذلك الظلام نورها الأول.
ابتسمت إسبيرانثا حين سمعت الاسم، ابتسامةً ملأت التجاعيد وجهها كله، وأضاءت عينيها الداكنتين. وقالت إنه اسم جميل، اسم أمل، وإن البنات اللواتي يولدن يوم الملوك يجلبن الحظ إلى البيوت التي يدخلنها.
لفّت الطفلة في البطانية الصوفية البنية التي كانت قد أهدتها لإينيس قبل أشهر، البطانية نفسها التي كانت تدفئها في ليالي الشتاء الأشد بردًا، ووضعتها بين ذراعيها بعناية من يتعامل مع شيء لا يقدّر بثمن.
ثم ساعدت إينيس على تنظيف نفسها، وبدلت الملاءات الملطخة بأخرى كانت قد أحضرتها معها في حقيبتها، وأعدت لها منقوعًا آخر لتستعيد بعض القوة، وأرغمتها على أن تأكل قطعة خبز بزيت الزيتون، مع أن إينيس كانت تقول إنها لا تشعر بالجوع.
لا بد من الأكل، قالت لها بذلك الصوت الذي لا يترك مجالًا للاعتراض. أنت الآن اثنتان، والبنت تحتاج إليك قوية.
أطاعت إينيس، لأنها لم تكن تملك طاقة على الجدال، ولأنها كانت تعرف أن إسبيرانثا على حق. لم تعد وحدها، ولم يعد يحق لها أن تسمح لنفسها بالاڼهيار.
وكان ذلك لاحقًا، حين كانت ألبا نائمة في هدوء على صدر إينيس، وكانت شمس الصباح تدخل من النافذة وتدفئ الغرفة الصغيرة، حين جلست إسبيرانثا على حافة الفراش، وعلى وجهها جدية لم ترها إينيس من قبل.
قالت لها إن هناك شيئًا ينبغي أن تخبرها به، شيئًا كان يجب أن تقوله لها من قبل، لكنها لم تجد الوقت المناسب. سألتها إن كانت تتذكر الصندوق الذي وجدته في الإسطبل، وحين أومأت إينيس، وقد تسارع نبض قلبها، أومأت العجوز بدورها كأنها تؤكد أمرًا كانت تعرفه مسبقًا.
ثم أخبرتها أن الدفتر ذا الغلاف الجلدي الذي رأته داخل الصندوق ليس مجرد سجل حسابات. إنه قائمة. قائمة بأسماء جميع
رجال الوادي الذين وشى بعضهم ببعض في الأشهر الأولى من الحړب. أولئك الذين أشاروا بأصابعهم إلى الجمهوريين، وأولئك الذين زودوا رجال الكتائب بالأسماء، فكانوا يطوفون من قرية إلى قرية ويجعلون الناس يختفون.
كان توماس مونتيرو أمين سر البلدية، وكان يملك حق الاطلاع على الوثائق كلها، وقبل أن يأتوا لأخذه، نسخ تلك القائمة بيده، وأخفاها في مكان لا يستطيع أحد أن يجده.
كانت إينيس تصغي، وفمها جاف، وقلبها يخفق پعنف حتى خاڤت أن تستيقظ ألبا. وسألت إسبيرانثا إن كان اسم دون أوريليو ميدينا واردًا في تلك القائمة. فأومأت العجوز ببطء، بتلك الرهبة التي ترافق تأكيد حكم بالإعدام.
وقالت إن أوريليو كان من أسوأهم، وإنه وشى بعائلات كاملة ليضع يده على أراضيها، وإن نصف الأملاك التي يملكها اليوم إنما حصل عليها لأنه أشار إلى أصحابها ليؤخذوا. وقالت إن هذا هو السبب الذي جعله يراقب بيت آل مونتيرو خمسة عشر عامًا، منتظرًا أن يظهر أحد ويعثر على ما عجز هو عن العثور عليه، مهما فتش.
وقالت لها أيضًا إن الآن، بعدما عرفت الحقيقة، صار عليها أن تختار
يمكنها أن ترحل، وأن تأخذ ألبا بعيدًا من هناك، وأن تنسى أن هذا الصندوق موجود. أو يمكنها أن تبقى، وأن تحمي الدليل الوحيد على جرائم رجال ما زالوا يعيشون كالسادة، بينما ضحاياهم يرقدون في مقاپر جماعية بلا أسماء.
نظرت إينيس إلى ابنتها النائمة، صغيرة، كاملة، بريئة من كل فظائع العالم، وعرفت في تلك اللحظة بالضبط ما الذي ستفعله.
ضمّت ألبا إلى صدرها، ووعدتها في سرها بأنها ستقاتل بكل ما تملك، كي تكبر ابنتها على تلك الأرض.
لأن النساء اللواتي فقدن كل شيء هنّ وحدهن اللواتي يعرفن ما الذي يستحق الدفاع عنه حقًا.
ما رأيك في شجاعة إينيس حين وقفت في وجه دون أوريليو وهي في شهرها الثامن، ولا تملك شيئًا سوى كلمتها؟