طردوها من بيت أهلها وهي حامل… فوجدت في الخړابة سرًا مدفونًا منذ الحړب!


الصورة نفسها.
لم تكن تعرف ما يعنيه ذلك، لكن حدسها أخبرها بأن الأمر ليس خيرًا، وأن أحدًا خبّأ ذلك الصندوق لسبب، وأن هذا السبب على الأرجح له صلة بالحړب، وبأسرار يفضّل كثيرون أن تبقى مدفونة. أعادت إينيس كل شيء إلى داخل الصندوق، ويدها ترتجف، ثم أغلقت الغطاء وأرجعته إلى التجويف تحت البلاطة. وأعادت البلاطة إلى مكانها بحذر، متأكدة أنها صارت تمامًا كما كانت، ثم جرّت فوقها كومة من القش القديم لإخفاء أي أثر يدل على أن أحدًا عبث بالمكان.
وبقيت بعد ذلك جالسة على أرض الإسطبل برهة طويلة، يدها على بطنها، ورأسها ممتلئ بأسئلة لا سبيل إلى الإجابة عنها من هم آل مونتيرو؟ ماذا جرى لهم؟ لماذا أخفوا هذا الصندوق قبل رحيلهم؟ ماذا تعني تلك الأسماء وتلك المبالغ؟ والأهم من ذلك كله، من غيرها يعرف بوجود هذا الصندوق؟ لأنها كانت قد عاشت من الحياة ما يكفي لتدرك أن أسرار الحړب لا تبقى مدفونة إلى الأبد، وأن هناك دائمًا من يبحث، ومن ينتظر.
وما لم تكن تعرفه، وما لم يكن في وسعها أن تعرفه، وهي تعود إلى البيت مع غروب الشمس وراء الجبل، هو أن دون أوريليو ميدينا كان قد أمضى خمسة عشر عامًا يبحث تحديدًا عن الشيء الذي وجدته هي للتو، وأن رجاله كانوا قد أخبروه بالفعل أن امرأة حاملًا تقيم في بيت آل مونتيرو.
حلّ الشتاء باكرًا في ذلك العام. وقبل أن ينتهي نوفمبر، كانت الصقيعات تغطي الصباحات، وكان برد الجبل يتسلل من شقوق الجدران كما لو أن له أصابع. وكانت إينيس قد تعلمت أن تسد الفتحات بالخرق القديمة، وأن تبقي الڼار مشټعلة معظم النهار. لكن البرد، مع ذلك، كان ينفذ إلى عظامها، ويجعل مفاصلها تؤلمها على نحو لم تعرفه من قبل. وكان بطنها قد ازداد كبرًا حتى إنها لم تعد ترى قدميها حين تمشي، وصار كل تحرك منها جهدًا يتركها لاهثة.
وفي صباح من تلك الصباحات، بينما كانت تحاول إشعال الڼار وأصابعها متيبسة من البرد، سمعت وقع خطوات في الفناء، وصوت امرأة يسأل إن كان في البيت أحد.
نهضت إينيس ببطء، وقلبها يخفق في حلقها، لأن أحدًا لم يقترب من البيت منذ وصولها، سوى ذلك الفتى الذي لمحته مرة من بعيد يراقب المكان من الطريق. خرجت إلى باب المطبخ، فوجدت امرأة مسنّة، شعرها أبيض مجموع في كعكة مشدودة، ووجهها مجعّد من سبعين عامًا من الشمس والريح، تحمل سلة مغطاة بمنديل مربعات، وتنظر إليها بعينين داكنتين كأنهما تخترقانها.
قالت المرأة إن اسمها إسبيرانثا، وإنها تعيش وحدها في بيت حجري على الجانب الآخر من الجدول، على بعد نحو عشرين دقيقة سيرًا في ممر الجبل، وإنها رأت الدخان يتصاعد من مدخنة ذلك البيت منذ أسابيع. وقالت إنها في البداية ظنتهم صيادين عابرين، لكن الدخان كان منتظمًا أكثر من أن يكون عابرًا.
لم تعرف إينيس ماذا تقول. بقيت واقفة في إطار الباب، ذراعاها مطويتان فوق بطنها، كما لو كانت تحميه من نظرات تلك الغريبة. لكن إسبيرانثا لم تكن تبدو في مقام من يحاكمها. لم يكن في وجهها ذلك التعبير المحتقر الذي تعلمت إينيس أن تعرفه في وجوه الناس حين يرون بطنها من غير خاتم. بل على العكس، نظرت العجوز إلى بطنها بعين من رأت مئات البطون في حياتها، وتعرف تمامًا ما الذي تعنيه.
قالت لها إن المولود سيأتي قريبًا، وإنها تعرف ذلك من شكل البطن، المنخفض المستدير كبطيخة أغسطس، وإنها ستكون هناك لمساعدتها حين تأتي الساعة.
ثم، من غير أن تنتظر دعوة، دخلت إلى المطبخ ووضعت السلة على الطاولة، كأن الأمر طبيعي تمامًا. وكان في السلة خبز طازج لا يزال دافئًا ملفوفًا في المنديل، وقطعة من جبن الماعز المعتّق تفوح منها رائحة قوية، لكن لا بد أنها شهية، وبطانية صوفية سميكة بلون صوف الغنم الجبلي.
أرادت إينيس أن ترفض، أن تقول إنها لا تستطيع قبول صدقة من غريبة، لكن إسبيرانثا قطعت عليها الجملة قبل أن تتمها. قالت لها إن أهل الجبال يعين بعضهم بعضًا، وإن الأمر كان كذلك دائمًا، منذ ما قبل مجيء العرب، وسيظل كذلك حين نصير جميعًا ترابًا. وإن امرأة حاملًا وحدها في بيت مهجور تحتاج إلى العون، حتى لو كانت عنيدة أكثر مما ينبغي فلا تطلبه.
كان في طريقة حديث إسبيرانثا، المباشرة الخالية من التزيين، ما ذكّر إينيس بجدتها لأمها قبل أن ټموت، امرأة ريفية أخرى كانت تقول الأشياء كما هي، من غير أن تهتم بتلطيفها.
قبلت إينيس السلة، وتمتمت بشكر خرج مخنوقًا أكثر مما أرادت، ثم جلست على مقعد المطبخ لأن ساقيها لم تعودا تقويان على حملها. وجلست إسبيرانثا قبالتها، وظلت صامتة برهة، ثم سألتها ببساطة منذ متى لم تأكلي طعامًا ساخنًا بحق؟
في ذلك الصباح، علّمتها إسبيرانثا كيف تطبخ قدرًا من الحساء بما كان لديها من أشياء قليلة حمص يابس اشترته من القرية، وقليل من الشحم المالح القديم، وأعشاب البستان. وعلّمتها كيف تقطع الحطب بالحجم الصحيح كي تدوم الڼار أطول. وكيف تحتفظ بالرماد لتصنع منه صابونًا متى توفر لها من الدهن ما يكفي. وكيف تميّز نباتات الجبل التي تخفف آلام الحمل.
ولم تسألها أي سؤال عن والد الطفل، ولا عن أسرتها، ولا عن السبب الذي أوصلها إلى هذا البيت وحدها. وكأنها كانت تفهم أن بعض الحكايات لا تُروى لأن روايتها تؤلم أكثر مما تفيد، وأن أفضل طريقة لمساعدة إنسان ليست أن تُكرهه على شرح نفسه، بل أن تكون إلى جواره فحسب.
وقبل أن تغادر، حين كانت الشمس قد علت في السماء، وكان الحساء يغلي في القدر ناشرًا رائحة جعلت معدة إينيس تقرقر، قالت إسبيرانثا إنها ستعود في الأسبوع التالي بطعام أكثر، وببعض الأعشاب التي ستساعدها على النوم. وقد فعلت.
كانت تأتي كل أسبوع، من غير أن تتخلف مرة واحدة، تحمل سلتها، وعلاجاتها العشبية، وحكاياتها التي بدأت إينيس تنتظرها كما يُنتظر المطر بعد صيف طويل.
وفي إحدى تلك الزيارات، وقد دخل ديسمبر، بدأت إسبيرانثا تتحدث عن آل مونتيرو. كانتا جالستين قرب الڼار، تشربان منقوع البابونج الذي أعدته العجوز، وكانت تحدّق في اللهب بتلك العينين اللتين تبدوان كأنهما تبصران أشياء غير موجودة. قالت إن ذلك البيت كان يعود إلى عائلة تحمل هذا اللقب، أناس مجدّون يزرعون الزيتون ويملكون قطيعًا صغيرًا من الماعز. وكان الأب اسمه توماس، وكان عضوًا في المجلس البلدي في عهد الجمهورية، رجل أفكار كان يؤمن بأن الفلاحين يستحقون المدارس والأطباء مثلهم مثل سادة غرناطة. وكانت الأم تدعى كارمن، وكانت معلمة في القرية قبل أن تُغلق المدارس العلمانية. وكان لهما طفلان صغيران، ولد وبنت، يلهوان في فناء البيت ويذهبان للسباحة في الجدول صيفًا.
كانوا أناسًا طيبين، قالت إسبيرانثا، وقد غلظ صوتها، من أولئك الذين لا يؤذون أحدًا، ولذلك بالذات ينتهون إلى دفع ثمن الجنون حين يختل العالم.
وقالت إن رجالًا جاءوا في إحدى ليالي سنة 1937، بعد وقت قصير من وقوع غرناطة في أيدي القوميين، ليأخذوهم. ولم