طردوها من بيت أهلها وهي حامل… فوجدت في الخړابة سرًا مدفونًا منذ الحړب!


تقل ماذا حدث بعد ذلك، لكن الطريقة التي شدّت بها شفتيها قالت أكثر مما كان يمكن للكلمات أن تقوله.
كانت إينيس تنصت، تحتفظ بكل تفصيل كما يحتفظ المرء بقطع أحجية لا يعرف بعد كيف يجمعها. وفكرت في الصندوق الذي وجدته تحت أرضية الإسطبل، وفي الوثائق ذات أختام الجمهورية، وفي الصور التي أظهرت تلك العائلة باسمة أمام البيت، وشعرت بقشعريرة لا علاقة لها ببرد ديسمبر.
أرادت أن تسأل أكثر. أرادت أن تعرف من كانوا أولئك الرجال الذين جاءوا في تلك الليلة، وماذا حلّ بآل مونتيرو. لكن شيئًا في وجه إسبيرانثا قال لها إن هناك أشياء من الأفضل ألا تُسأل عنها بعد. غير أن ما فهمته بوضوح جمد الډم في عروقها، هو أن العجوز تعرف أكثر بكثير مما تقول، وأنها تحمل أسرار الوادي التي لا يجرؤ أحد آخر على ذكرها بصوت مرتفع، وأن مجيئها كل أسبوع بالسلة والطعام والعلاجات العشبية لم يكن فقط لمساعدتها على تجاوز الحمل، بل كان أيضًا لحمايتها من شيء لم يكن له اسم بعد، لكنه كان يتربص في ظلال ذلك الجبل، منتظرًا اللحظة المناسبة ليخرج إلى النور.
ظهر دون أوريليو ميدينا في أحد أيام الأحد من ديسمبر، في يوم الحبل بلا دنس تحديدًا، حين كان أهل القرى المجاورة في القداس، وكانت أجراس كنيسة وادي الجبل تُسمع من بعيد، كأنها تذكير بكل ما فقدته إينيس.
كانت في الفناء تحاول إصلاح حافة البئر التي تخلخلت بفعل الصقيع الأخير، حين سمعت حوافر عدة خيول تقترب في الطريق. رفعت رأسها، فرأت ثلاثة رجال على ظهور الخيل يتجهون مباشرة إلى البيت، بلا استعجال، لكن بلا توقف. وكان الرجل المتقدّم يمتطي حصانًا أسود ضخمًا بسرج مزخرف بالفضة يلمع حتى تحت سماء ديسمبر الرمادية، حيوانًا لا بد أن ثمنه يزيد على كل ما رأته إينيس مجتمِعًا في حياتها.
أما الرجلان الآخران، فبقيا في الطريق كالحراس، وأيديهما قريبة من الأحزمة التي لعلها تخفي أسلحة، بينما نزل صاحب الحصان الأسود ودخل الفناء من غير استئذان، ولا طرْق، ولا أي مظهر من مظاهر اللياقة التي يفترض بأي إنسان محترم أن يُبديها حين يدخل بيت غيره.
بقيت إينيس حيث هي، وبطنها في شهره الثامن يتقدّمها كأنه درع، وانتظرت أن يتكلم الرجل أولًا، لأن شيئًا في داخلها كان يقول إن هذا ليس من الناس الذين يُستحسن أن يُظهَر أمامهم الضعف.
قدّم الرجل نفسه باسم دون أوريليو ميدينا، لكنه فعل ذلك بطريقة توحي بأنه يفترض أن تكون تعرف من يكون. كان شعره الرمادي ممسوحًا إلى الخلف بلمعان الزيت، ويرتدي بدلة داكنة مفصّلة غالية، كأنها خارجة لتوها من خياط في غرناطة، وكانت فيه تلك النظرة الخاصة بمن اعتاد أن ينحني له العالم كله متى دخل غرفة. لا بد أنه في الستين من عمره تقريبًا، لكنه كان منتصبًا مثل عسكري، عريض الكتفين، ذو يدين كبيرتين لرجل عمل الأرض في شبابه قبل أن يتعلم كيف يجعل الآخرين يعملونها عنه.
راح يمشي في الفناء متفحّصًا كل شيء بعناية المطبخ الذي يتصاعد منه الدخان، والبستان الذي زرعت فيه إينيس بعض الخضراوات، والإسطبل الذي كانت تخزن فيه الحطب، كما لو أنه يجرد أشياء يراها ملكًا له مسبقًا. ثم وقف أمامها، ونظر إليها من أعلى إلى أسفل بلا أي تحفّظ، متوقفًا عند بطنها بتعبير جمع بين الاحتقار وشيء أكثر ظلمة لم تعرف كيف تسميه.
سألها من تكون، وماذا تفعل في تلك الملكية، وكان صوته يحمل نبرة من يسأل لا لأنه يريد المعرفة، بل لأنه يريد أن يثبت أن من حقه أن يسأل.
قالت له إينيس الحقيقة، أو على الأقل الجزء من الحقيقة الذي كانت مستعدة لأن تقوله لغريب يدخل بيتها بلا إذن. قالت إنها وجدت البيت مهجورًا، وإنها تعيش فيه منذ أكتوبر، وإنها لا تعرف لمن تعود الملكية، ولا يهمها أن تعرف، لأنه لم يكن هناك من يطالب بها، وإن كل ما تريده سقفًا تلد تحتَه طفلها في سلام.
أطلق دون أوريليو ضحكة قصيرة لا أثر للفكاهة فيها، وقال لها إن تلك الأرض تعود إليه بحق الغلبة، وإن آل مونتيرو كانوا حمرًا وخونة للوطن، وإن كل ما تركوه خلفهم حين فرّوا كالجرذان صار ملكًا لأولئك الذين حاربوا في الجانب الصحيح من الحړب.
لقد استخدم العبارة نفسها الجانب الصحيح. كما لو أنه بعد خمسة عشر عامًا من انتهاء الحړب الأهلية، ما زال يحتاج إلى إقناع الناس بأن المنتصرين كانوا الأخيار.
شعرت إينيس بالخۏف يصعد إلى حلقها، ذلك الخۏف البارد الذي كانت تعرفه جيدًا من أيام كان أبوها يرفع صوته في البيت. لكنها رفضت أن تطأطئ رأسها. لقد تعلمت شيئًا في تلك الأشهر من الوحدة، شيئًا لم تكن تعلم أنه موجود فيها أن من فقد كل شيء، لا يعود لديه ما يخسره.
قالت لدون أوريليو إنها لا تعرف شيئًا عن الحروب ولا عن السياسة، وإنها وُلدت سنة 1931، وإنها حين جرت كل تلك الأحداث لم تكن سوى طفلة تلعب بالدمى في فناء بيت في غرناطة، من غير أن تفهم لماذا كان الكبار ېصرخون كثيرًا. وقالت له إنها مجرد امرأة تبحث عن سقف تلد تحته طفلها، وإنه لا توجد لديها وثيقة ملكية، لكنه هو أيضًا لم يُرها أي وثيقة تثبت شيئًا، وإنها لا تنوي أن تغادر مكانًا ظل مهجورًا خمسة عشر عامًا، لمجرد أن رجلًا على حصان جميل جاء في يوم أحد وادّعى أنه له.
خرجت الكلمات من فمها أصلب مما توقعت، تكاد تكون تحديًا. وما إن قالتها حتى عرفت أنها ربما ارتكبت خطأ. فهناك من يحتمل أن يُعارض، وهناك من لا يحتمل. وكان دون أوريليو ميدينا من النوع الثاني بلا شك.
تغير وجهه لثانية، كوميض ڠضب عبر عينيه الرماديتين. لكنه عاد بعد ذلك إلى الابتسام، بتلك الابتسامة التي يبتسم بها من يجد مسلّيًا طفلًا يحاول أن يضربه. وقال لها إنه يعجب بشجاعتها، وإن الأمر يحتاج إلى جرأة فعلًا حتى تخاطبه بهذه الطريقة في أرضه هو. لكن الشجاعة بلا قوة، في رأيه، لا تنفع في شيء.
اقترب منها خطوة، مختصرًا المسافة بطريقة مقصود بها التخويف، وقال لها بصوت أخفض إن عليها أن تفكر جيدًا في ما تفعله، لأن امرأة وحيدة في تلك الجبال شيء هش، ولأن الحوادث تقع طوال الوقت، ولا أحد يطرح الأسئلة حين تُعثر على غريبة بلا أهل مېتة في وادٍ سحيق. وإنه رجل صبور، لكن صبره له حدود.
وقال إنه سيعود بعد الولادة ليتحدث معها مجددًا، وإنه يأمل أن تكون حتى ذلك الحين قد أعادت النظر، وصارت مستعدة للرحيل بالمعروف، لأن الرحيل بغيره أسوأ بكثير مما تستطيع فتاة مدينة أن تتخيله.
ثم أدار لها ظهره من غير أن ينتظر جوابًا، ومشى نحو حصانه بذلك البطء الواثق لمن يعرف أن الزمن إلى جانبه، وامتطاه بحركة انسيابية تدل على سنين من الاعتياد.
وقبل أن يرحل، نظر نظرة أخيرة نحو الإسطبل، نحو الموضع نفسه الذي وجدت فيه إينيس الصندوق المدفون قبل