طردوها من بيت أهلها وهي حامل… فوجدت في الخړابة سرًا مدفونًا منذ الحړب!


بجهدها، والآن صار لديها سقف ونور. لقد كانت بداية بائسة، لكنها كانت بداية.
ولم تكن إينيس تعلم، وهي تتكوّر في ذلك الركن بالشال الأسود على كتفيها ويدها مستقرّة فوق بطنها، أن تلك الشمعة يمكن رؤيتها من الطريق، وأن ضوءها الصغير المرتعش كان ينفذ عبر النوافذ الخالية من الزجاج، ويتلألأ في عتمة الجبل كإشارة لمن يعرف كيف يراها.
وعلى مسافة أقل من ثلاثة كيلومترات، في بيت كبير له إسطبلات وحظائر، كان رجل يدعى أوريليو ميدينا جالسًا في مكتبه يراجع دفاتر حسابات أراضيه، حين دخل أحد عمّاله من غير استئذان. وقال له إن هناك ضوءًا في بيت آل مونتيرو الريفي، وإن أحدًا أشعل نارًا في البيت الذي ظل مهجورًا منذ سنة 1937.
رفع دون أوريليو نظره عن الأوراق، وظل صامتًا لحظة طويلة. ثم أومأ ببطء، وقال للعامل أن يراقب المكان، وأن يعرف من هو الأحمق الذي تجرّأ على الدخول إلى تلك الملكية. لأن دون أوريليو كان قد أمضى خمسة عشر عامًا ينتظر أن يعود أحدهم إلى ذلك البيت. خمسة عشر عامًا وهو يبحث عن شيء خبأه آل مونتيرو قبل فرارهم. وإن كان أحد قد أشعل ضوءًا هناك، فهو يريد أن يعرف بالضبط من يكون، وماذا يبحث عنه.
كانت الأسابيع الأولى مجرد صراع من أجل البقاء، تعلمًا عبر الأخطاء لأشياء تعرفها كل فلاحة منذ صغرها، لكن لم يعلّمها أحد لإينيس قط.
في اليوم الأول، حاولت أن تشرب من ماء البئر في الفناء مباشرة، وكادت تتقيأ من شدة القرف حين رأت الحشرات الطافية على سطحه المعتم. فاضطرت إلى السير حتى الجدول الذي يجري خلف الملكية، الجدول نفسه الذي شربت منه يوم وصولها، وأن تحمل الماء في قدر فخاري وجدته مدفونًا نصفه في البستان المهجور. لم تكن المسافة تتجاوز مئتي متر، لكن مع بطن في شهره السابع، ووزن الماء، كان كل مشوار يترك ظهرها محطمًا.
تعلمت أن تقوم برحلتين في الصباح الباكر، حين لا يكون البرد قد اشتد بعد، وأن تحفظ الماء في القدر مغطى بقطعة قماش كي لا تدخله الحشرات. وتعلمت أيضًا كيف تشعل الڼار في موقد المطبخ، وإن كانت قد ملأت الغرفة بالدخان في المحاولات الأولى، لأنها لم تكن تعرف أن عليها فتح مجرى المدخنة. كانت تستخدم أغصان الزيتون اليابسة التي تجمعها من حول البيت، وحين تنجح في تثبيت ڼار مستقرة، كانت تشعر بانتصار صغير، لكنه حقيقي.
وكان الجنين يركل بقوة أكبر كل يوم، كأنه يذكّرها بأنها ليست وحدها، وأن لديها سببًا لتواصل الكفاح، حتى حين يكون جسدها نفسه يطالبها بالاستسلام.
أما الطعام فكان المشكلة الأصعب. كان المال الذي وضعته أمها في الحقيبة ينفد سريعًا. وعلى الرغم من أن إينيس كانت تحاول إنفاقه بحذر، فلا تشتري من دكان القرية القريبة إلا الضروري، فقد كانت تعرف أنه لن يدوم طويلًا. وكان عليها أن تتعلم كيف تستخرج طعامها من الأرض، وهو أمر لم تفعله يومًا في حياتها بوصفها ابنة صاحب خمّارة.
وجدت شجرة تين قديمة خلف الإسطبل ما تزال تعطي تينًا متأخرًا، صغيرًا ومجعّدًا، لكنه حلو. ووجدت زيتونًا في أشجار الزيتون المهجورة التي تحيط بالمكان، لكنه كان شديد المرارة حتى إنها بصقت خمس دقائق متواصلة حين تذوقت واحدة للمرة الأولى. ثم تعلمت أن تخلله في ماء وملح، مع تغيير الماء كل يوم طوال أسبوعين حتى يفقد مرارته؛ وهي حيلة تذكرت أنها رأت طباخة بيتهم تقوم بها حين كانت طفلة.
ووجدت أيضًا نبتة بندورة برية في البستان، وبعض الأعشاب التي تعرّفت إليها بوصفها إكليل جبل وزعترًا. لم يكن ذلك كثيرًا، لكنه كان يكفي كي لا ټموت جوعًا. وأحيانًا، حين كان الجوع يشتد حقًّا، كانت إينيس تتساءل إن كان أبوها يفكر فيها. هل كان يهمه أن يعرف أن ابنته تأكل زيتونًا مرًّا في خړابة، بينما هو يتعشى لحم الضأن في قاعة الطعام في شارع ميسونيس؟
بدأت تنظف البيت غرفةً غرفة، بصبر من لا يستعجل لأنه لا يملك مكانًا آخر يذهب إليه. ارتجلت مكنسة من أغصان الرتم، ربطتها بقطعة حبل وجدتها في الإسطبل، وأمضت أيامًا كاملة تكنس طبقات الغبار، وبيوت العنكبوت، وفضلات الحيوانات التي تسللت عبر النوافذ المکسورة. وسدّت ثقوب السقف بالأغصان والأوراق ما استطاعت، وهي تعرف أنها لن تصمد أمام مطر شديد، لكنها كانت تأمل أن يمنحها الطقس مهلة حتى تعثر على حل أفضل.
وهيأت إحدى الغرفتين الصغيرتين لتكون غرفة نوم، فجرّت إليها فراشًا من القش وجدته في الإسطبل، واضطرت إلى تهويته ثلاثة أيام كاملة، لأن رائحته كانت مزيجًا من الرطوبة والفئران.
لم يكن مريحًا، ولم يكن نظيفًا، ولم يكن شيئًا من الأشياء التي عرفتها خلال واحد وعشرين عامًا من حياتها. لكنه كان لها.
وكانت كل ليلة، قبل أن تنام، تضع يدها على بطنها وتخاطب الجنين بصوت خاڤت. كانت تخبره بما فعلته في ذلك اليوم. كانت تعده بأن الأمور ستتحسن. وكانت تعتذر له لأنها أتت به إلى عالم لا يريدهما. وأحيانًا كانت تبكي، وأحيانًا كانت تغفو في منتصف الكلام، لكنها كانت تتكلم دائمًا، لأنها إن توقفت عن الكلام، صار صمت البيت الريفي أضخم من أن يُحتمل.
وفي إحدى أمسيات أواخر أكتوبر، بينما كانت تستكشف الإسطبل بحثًا عن شيء قد يصلح أداة، لاحظت أمرًا غريبًا في الأرضية. كانت هناك بلاطة قرب الجدار الخلفي مرتفعة قليلًا، مختلفة عن سائر البلاط، كأن أحدًا حرّكها ولم يُعدها جيدًا إلى مكانها. چثت على ركبتيها بصعوبة، فقد كان بطنها يعوقها عن كل شيء الآن، وأدخلت أصابعها في الشق. تحركت البلاطة بسهولة أكثر مما توقعت، كما لو أنها صُنعت لتُرفع.
وتحتها كان هناك تجويف مظلم بحجم صندوق أحذية، وداخل التجويف صندوق خشبي مغطى بالتراب وبيوت العنكبوت. شعرت إينيس بأن قلبها يخفق أسرع، وهي تخرج الصندوق وتجرّه إلى مدخل الإسطبل حيث يوجد ضوء أكثر. كان ثقيلًا، أكثر مما يوحي به شكله، وكان مغلقًا بقفل حديدي صدئ انكسر من الشدّة الثانية. وحين رفعت الغطاء، لفحتها رائحة الورق القديم والرطوبة، لكن ما رأته في داخله جعلها تحبس أنفاسها.
كانت هناك وثائق مصفرّة، تحمل أختامًا تعرفتها إينيس من كتب التاريخ التي كانت قد قرأتها في المدرسة شعار الجمهورية الثانية، ذو الأشرطة الثلاثة التي صار إظهارها محظورًا الآن. وكان هناك رزم من العملات الفضية، عليها صورة امرأة تضع تاجًا من الأبراج، بيسيتات تعود إلى ما قبل الحړب، ولا بد أنها تساوي ثروة عند هواة الاقتناء. وكانت هناك صور فوتوغرافية لعائلة تقف أمام ذلك البيت نفسه حين كان لا يزال مطليًّا بالأبيض ونوافذه مزججة.
رجل بشارب، وامرأة بمئزر، وطفلان صغيران يبتسمان للكاميرا. وكان هناك دفتر ذو غلاف جلدي بني، صفحاته مملوءة بخط صغير دقيق، وأعمدة من الأسماء تتبعها تواريخ ومبالغ لم تفهمها إينيس. وبعض الأسماء بدت لها مألوفة، ألقاب عائلات سمعت الناس يذكرونها في غرناطة، من الأسر المهمة في المنطقة. وإلى جانب كل اسم كانت أرقام تشبه مبالغ مالية، وفي أسفل كل صفحة توقيع يتكرر على الدوام على