طردوها من بيت أهلها وهي حامل… فوجدت في الخړابة سرًا مدفونًا منذ الحړب!


إينيس أسماءها، ووجوه تحدّق إليها بريبة من وراء نوافذ البيوت المطلية بالجير. وحين أعلن السائق المحطة الأخيرة، عند مفترق طرق في سفح سييرا نيفادا، حيث لا يوجد سوى محطة وقود مغلقة ولافتة صدئة تشير إلى اللا مكان، كانت إينيس الراكبة الوحيدة المتبقية. نظر إليها الرجل في مرآة الرؤية الخلفية وسألها إن كانت متأكدة من رغبتها في النزول هناك، إذ لا يوجد شيء على امتداد كيلومترات، وامرأة في مثل حالتها لا ينبغي أن تمشي وحدها في تلك الطرق.
شكرته إينيس على اهتمامه، وحملت حقيبتها ونزلت من الحافلة من غير أن تعرف تمامًا لماذا اختارت ذلك المكان. ربما لأنه الأبعد. ربما لأن لا أحد يعرفها فيه. وربما لأنها كانت بحاجة إلى مكان لا يستطيع أحد أن يجدها فيه. انطلقت الحافلة مٹيرة سحابة من الغبار، وحين تلاشى هدير محرّكها في البعيد، وجدت إينيس نفسها وحيدة في قلب العدم، تحمل حقيبة ممزقة، وثلاثمئة بيسيتا بعد خصم ثمن التذكرة، وطفلًا لا يكف عن الحركة كأنه في عجلة من أمره للوصول إلى عالم لم يرحب بهما بعد.
أنزلتها الحافلة عند ذلك المفترق، حيث لم يكن هناك سوى محطة وقود مهجورة، وعمود كهرباء لعله لم يعمل منذ سنوات. وقفت إينيس في التراب تنظر إلى حافلة ألسينا غرايّس وهي تتلاشى في الطريق، آخذة معها آخر صلة بالعالم الذي عرفته. كان السائق قد أخبرها أن أقرب قرية تقع على مسافة نحو ثمانية كيلومترات شمالًا، لكنها لم تكن تملك القوة الكافية لقطع هذه المسافة، لا مع البطن الذي كان يشدها إلى الأسفل، ولا مع الساقين المتورمتين كجذعين.
نظرت حولها تبحث عن إشارة ما، عن دليل يدلها على الطريق، فلم ترَ سوى طريق ترابي يضيع بين أشجار الزيتون في اتجاه الجبال. كان في داخلها شيء ما، ربما غريزة النجاة التي تستيقظ حين لا يعود هناك خيار، يقول لها امشي من هناك. لم يكن لديها خطة، ولم يكن لديها مقصد، بل مجرد يقين بأنها بحاجة إلى سقف قبل أن يحل الليل. كانت شمس أكتوبر لا تزال دافئة في ذلك الوقت من بعد الظهيرة، لكن إينيس كانت تعرف أنه ما إن تختفي خلف الجبال، حتى يهبط برد سييرا نيفادا بلا رحمة.
شدّت الحقيبة ذات السير المقطوع، وبدأت تمشي، تضع قدمًا أمام أخرى، كما لو أنها تعلّمت ذلك للتو في صباح ذلك اليوم نفسه، حين خرجت من بيت أبويها. مرّت الساعات بطيئة ومؤلمة. واضطرت إينيس إلى التوقف غير مرة لتستريح، فكانت تجلس على حجارة الطريق حتى تسترد أنفاسها. وكان الجنين يحتج بركلات تزداد قوة. وفي إحدى تلك الاستراحات، وجدت جدولًا يمر تحت جسر حجري صغير، فشربت الماء بيديها مباشرة لأنها لم تكن تملك وعاء.
كان الماء باردًا نقيًّا، له ذلك الطعم الجبلي الذي أعاد إليها ذكريات النزهات التي كانت تقوم بها مع جدها حين كانت صغيرة، قبل أن ېموت وقبل أن يبدأ كل شيء في الانحراف. غسلت وجهها، وبللت عنقها، ثم واصلت السير بينما كانت الشمس تهبط رويدًا رويدًا.
وعندئذ، حين كانت الإضاءة تميل إلى البرتقالي، وحين كانت ظلال أشجار الزيتون تطول على الطريق، رأت شيئًا بين الأعشاب العالية جعلها تتوقف. في البداية ظنته مجرد أطلال أخرى، واحدًا من تلك البيوت الريفية المهجورة التي تناثر وجودها في الجبال منذ الحړب. لكنها حين اقتربت قليلًا، تبيّنت جدرانًا مكلّسة كانت يومًا ناصعة البياض، وسقفًا من القرميد العربي تهدّم في مواضع عدة، لكنه ما زال قائمًا، وفناءً داخليًّا تنمو فيه الأعشاب البرية بين الحجارة.
كان في ذلك المكان شيء يجذبها، شيء لا تستطيع أن تفسره بالكلمات. وضعت إينيس الحقيبة على الأرض، ومشت ببطء نحو مدخل البيت الريفي، تُبعد أغصان الرتم التي نمت فغطت ما كان يومًا ممرًّا.
كان الباب الرئيسي قد اختفى، ولم يبقَ سوى المفصلات الصدئة تتدلى من إطار خشبي متعفن. وكان الفناء الداخلي مغطّى بالأعشاب، لكن كان لا يزال بالإمكان رؤية البئر في الوسط بحافته الحجرية، والقوس الحديدي الذي كانت تتدلى منه يومًا بكرة. وكانت الرائحة مزيجًا من الزعتر البري والتراب الرطب، تلك الرائحة الخاصة بالأماكن التي بقيت وحيدة زمناً طويلًا.
عبرت إينيس الفناء بحذر، كي لا تتعثر بالحجارة المفككة، ودخلت ما لا بد أنه كان الصالون الرئيسي للبيت. لم يكن فيه أثاث، لم يكن فيه شيء سوى جدران ملطخة بالرطوبة، وأرضية من البلاط المكسور، تنبت الأعشاب من شقوقها. لكن السقف، على الرغم من الثقوب التي كانت تكشف السماء في أكثر من موضع، كان لا يزال صامدًا فوق معظم الغرفة. وكان ذلك أكثر مما كانت تملكه إينيس قبل ساعة.
وقفت في وسط ذلك الصالون الخاوي، شاعرة بمزيج غريب من الخۏف والارتياح، كما يشعر المرء حين يصل إلى مكان لا يعرفه، لكنه يحس على نحو ما أنه كان مقدرًا له أن يجده.
جالت في أرجاء البيت قبل أن يختفي الضوء. كان هناك مطبخ فيه موقد حطب بدا سليمًا تحت طبقات الغبار وبيوت العنكبوت. وكانت هناك غرفتان صغيرتان بنوافذ بلا زجاج، وإطارات خشبية نخرتها الرطوبة. وكان هناك إسطبل في الخلف ما تزال فيه بقايا قش قديم ورائحة خانقة للحيوانات التي عاشت هناك يومًا. وكان هناك أيضًا بستان مهجور، تعرّفت فيه إينيس إلى أوراق شجرة تين قديمة، وما بدا كأنه شجيرات بندورة برية تنمو بلا نظام.
كان كل شيء متّسخًا، وكان كل شيء مكسورًا، وكان كل شيء يوحي بسنوات طويلة من الإهمال. ومع ذلك، كان في ذلك المكان شيء يخبرها بأنه قد يصلح، بأنه قد يصبح بيتًا إن كانت مستعدة للعمل. والعمل كان الشيء الوحيد الذي تعرفه إينيس، والشيء الوحيد الذي علّموها إياه طوال واحد وعشرين عامًا من حياتها.
عادت إلى الصالون الرئيسي، واختارت الركن الأكثر حماية، حيث السقف كامل، والجداران يلتقيان بزاوية تقيها الريح. جرّت الحقيبة إلى هناك، وفتحتها، وبدأت تخرج الثياب التي كانت أمها قد حشرتها فيها كيفما اتفق، في صباح صار يبدو كأنه ينتمي إلى حياة أخرى. وبين البلوزات المكرمشة والتنورة الصوفية، وجدت شيئًا لم تكن تتوقعه.
كانت هناك، ملفوفة في شال الجدة الأسود، شمعة سميكة من الشمع الأبيض، من تلك التي تُستخدم في الكنيسة في مواكب أسبوع الآلام، وعلبة كبريت من ماركة فوسفوريرا إسبانيولا تحمل رسم الأسد الذي كانت إينيس تعرفه من دكان الحي.
كانت أمها قد وضعتها خفية، من غير أن تقول شيئًا، وكان ذلك الفعل الصغير من العناية، المخبوء وسط كل ذلك الجفاء، قد قبض قلبها على نحو لم تكن تتوقعه. ربما لم تكن أمها تكرهها بقدر ما بدا. وربما كانت فقط تفتقر إلى الشجاعة لمواجهة أبيها.
أخرجت إينيس الشمعة وعلبة الكبريت، وعثرت على حجر مسطّح لتثبت عليه القاعدة، ثم أشعلت الفتيل بيدين مرتجفتين. وامتد الضوء الأصفر على الجدران، ناشرًا ظلالًا طويلة وغريبة. لكن تلك الشعلة الصغيرة كانت بالنسبة إلى إينيس أثمن من جميع الشمعدانات في بيتهم في شارع ميسونيس. كانت ملكها. لقد وصلت إلى هناك وحدها، بساقيها،