طردوها من بيت أهلها وهي حامل… فوجدت في الخړابة سرًا مدفونًا منذ الحړب!

انظري ما الذي فعلتِه بهذه العائلة. أبوكِ لا يريد أن يراكِ بعد الآن. خذي أغراضكِ وارحلي. بالنسبة إلينا، أنتِ لم تعودي موجودة.
أمي، أرجوكِ، لا تفعلي بي هذا. ليس لديّ مكان أذهب إليه. أنا وحدي يا أمي. أرجوكِ.
غرناطة، أكتوبر 1952.
سقطت حقيبة جلدية من نافذة في الطابق الثاني، وارتطمت بأحجار شارع ميسونيس المرصوفة.
كانت إينيس تورّالبا في الحادية والعشرين من عمرها، وحاملًا في شهرها السابع. وكان والدها، صاحب خمّارة في مونتيّاموريليس، قد فضّل أن يخسر ابنة على أن يخسر شرفه. وفي مساء اليوم نفسه، استقلّت إينيس حافلة تابعة لشركة ألسينا غرايّس متجهة إلى اللا مكان. ثم وجدت مأوى في بيت ريفي مهجور في سييرا نيفادا، من غير أن تدري أن تحت أرضية الإسطبل سرًّا من أسرار الحړب الأهلية، ظل رجال نافذون يبحثون عنه خمسة عشر عامًا.
في صباح ذلك اليوم من شهر أكتوبر، كانت إينيس تورّالبا تطوي آخر بلوزة بقيت لها، حين سمعت وقع خطوات أمها تصعد السلم بذلك الاستعجال الذي لا يبشّر بشيء طيب. لم تطرق الباب، بل فتحته پعنف، ووقفت في الإطار بشفتين مطبقتين وعينين محمرّتين لامرأة بكت طوال الليل، ولم تعد تملك دموعًا.
أرادت إينيس أن تقول شيئًا. أرادت أن تسألها إن كانت قد تحدثت إلى أبيها، وإن كان ثمة احتمال أن يُسمح لها بالبقاء، ولو في الغرفة الخلفية حيث كانوا يخزنون البراميل الفارغة. لكن أمها لم تمنحها الفرصة. أمسكت بالحقيبة الجلدية التي كانت تخص الجدّ، تلك الحقيبة نفسها التي استخدمها حين سافر إلى إشبيلية في شبابه، وبدأت تحشو فيها الثياب بلا أي عناية، مكرمشةً البلوزات التي كانت إينيس قد طوتها بكل حرص. وضعت فيها فستانين، وتنورة من الصوف، وملابس داخلية، وشالًا أسود كان يعود إلى الجدة، وظرفًا فيه مال وضعته في القاع من غير أن تقول كم فيه.
ولمّا انتهت، مضت نحو النافذة المطلة على شارع ميسونيس، وفتحتها على مصراعيها، ثم ألقت الحقيبة إلى الأسفل. دوّى صوت ارتطام الجلد بالحجارة كأنه حكم نهائي. شعرت إينيس أن الجنين تحرّك في داخلها، كأنه هو الآخر سمع ذلك الصوت، وكأنه عرف بدوره أن تلك الضړبة كانت نهاية كل ما عرفاه من قبل. استدارت أمها ونظرت إليها للمرة الأولى منذ ثلاثة أسابيع. ومنذ تلك الظهيرة التي أكّد فيها طبيب مستشفى سان خوان دي ديوس الحمل أمامهما معًا، كانت إينيس تنتظر الصړاخ، تنتظر الشتائم، تنتظر أي شيء إلا ما قالته أمها بصوت أجشّ متعب.
أخبرتها أن أباها اتخذ القرار خلال الليل، وأنه لا سبيل إلى حمله على تغيير رأيه، وأن عليها أن ترحل قبل أن يراها الجيران وهي تغادر، إذ يكفي ما في الحي من شائعات وڤضيحة. وقالت لها ألا تعود، وألا تكتب، وأن إينيس بالنسبة إلى عائلة تورّالبا قد ماټت في ذلك الصباح، وأن هذا سيكون أفضل للجميع، ولا سيما لإخوتها الأصغر سنًّا، الذين ما زال ينبغي حماية مستقبلهم.
أرادت إينيس أن تسأل ولماذا ليس لي أنا أيضًا الحق في مستقبل؟ كيف صار حمل في شهره السابع أثقل وزنًا من واحد وعشرين عامًا من الطاعة والبنوة الصالحة؟ لكن الكلمات تعلقت في حلقها. أغلقت أمها مصاريع الخشب، فڠرقت الغرفة في شبه ظلام، ثم خرجت من غير أن تقول شيئًا آخر، وأغلقت الباب خلفها. بهذه السهولة، بهذه السرعة. واحد وعشرون عامًا مُحيت في أقل من خمس دقائق.
نزلت إينيس الدرج ببطء، مستندة إلى الدرابزين، لأن ثقل بطنها كان يفقدها توازنها على الدرجات الضيقة.
مرّت بالمطبخ الذي ساعدت فيه مرارًا على إعداد يخنة الحمص التي كان والدها يعشقها. ومرّت بالصالون حيث ما يزال الكرسي المخملي الأخضر الذي كان يجلس عليه ليقرأ الرسائل التي كان رافائيل يبعثها إليها من مالقة. تلك الرسائل الممتلئة بالوعود، التي تبيّن أنها لم تكن سوى دخان. رافائيل، الغريب الذي ظهر في احتفال سان ميغيل بابتسامته السهلة وكلامه المعسول، والذي أقسم لها بالحب الأبدي تحت أضواء ساحة بيب رامبلا، ثم اختفى في صباح اليوم التالي، من غير أن يترك وراءه إلا بطنًا يكبر، وسمعة محطّمة.
لقد كانت إينيس ساذجة، وكانت تعرف ذلك الآن. لقد صدّقت لقاءات تشبه الحكايات الخيالية، في بلد لم يكن للنساء فيه حق الخطأ. ولما وصلت إلى الباب الرئيسي، كان أبوها جالسًا في المكتب وبابه مفتوح، يراجع دفاتر حسابات الخمارة، كما لو أن ذلك يوم ثلاثاء عادي. لم يرفع رأسه، لم يقل وداعًا، ولم يقم بأي حركة تعترف بأن ابنته الكبرى توشك أن تخرج من حياته إلى الأبد.
وكان ذلك، على نحو ما، أشدّ إيلامًا من أي كلمة.
كانت الحقيبة في وسط الشارع، وقد انقطعت إحدى سيورها من شدة الارتطام، وبرزت بعض الثياب من أحد الجانبين. وكانت جارة تكنس الرصيف تنظر بذلك الفضول المشوب بالشماتة الذي يميز البلدات الصغيرة. وعرفت إينيس أنه قبل انتصاف النهار، ستكون غرناطة كلها قد عرفت أن ابنة سيباستيان تورّالبا قد طُردت من بيتها ككلب. رفعت الحقيبة، ورتبت الثياب كما استطاعت، وبدأت تمشي نزولًا في منحدر غوميث، ذلك الشارع المرصوف الذي كانت تحفظه عن ظهر قلب، لأنها صعدته آلاف المرات لزيارة الحمراء مع جدها حين كانت طفلة.
مرّت بمحاذاة الدكاكين التي تبيع المراوح والقشتالات للسياح القلائل الذين كانوا يجرؤون على السفر في تلك السنوات. ومرّت بالنافورة التي توقفت عندها مرة لتشرب في عزّ أغسطس. ومرّت بجانب الجدران الحمراء لقصر بني نصر، من غير أن تجرؤ على رفع رأسها إلى الأعلى. كانت تعلم أنها إن نظرت، إن رأت مرة أخيرة حدائق الجنّة العريف، حيث علّمها جدها أسماء الزهور، فسوف تفقد ما تبقى لها من قوة.
ركل الجنين بقوة، كأنه يحتج على السير الطويل، فوضعت يدها على بطنها وهمست له أن يتحمل قليلًا، وأنهما سيجدان قريبًا مكانًا يستريحان فيه. كانت محطة حافلات غرناطة مبنى رماديًّا عمليًّا قرب المركز، يعجّ بالناس الذاهبين والعائدين على عجل، وبحقائب أكبر من حقيبتها. اقتربت إينيس من النافذة وسألت عن الحافلة التالية المغادرة، من غير أن يهمّها إلى أين تتجه.
نظر إليها الموظف، وهو رجل مسن ذو شارب رمادي ونظارات سميكة، بتلك النظرة التي بدأت تتعرفها مزيج من الفضول والشفقة. وقال لها إن هناك حافلة من شركة ألسينا غرايّس تنطلق بعد عشرين دقيقة نحو واديكس وقرى الجبال، وتتوقف في محطات عدة في الطريق، وتصل إلى نهاية الخط قبل الغروب. أخرجت إينيس الظرف الذي وضعته أمها في الحقيبة وعدّت المال للمرة الأولى.
كان فيه ثلاثمئة بيسيتا، ما يكفي لثمن التذكرة، وربما لأسبوعين من الطعام إن أحسنت التدبير. دفعت ثمن أرخص تذكرة، تلك التي توصلها إلى المحطة الأخيرة، وجلست في المقعد الأخير من الحافلة، والحقيبة مضمومة إلى بطنها. ومن خلال النافذة المتسخة رأت شوارع غرناطة تمر أمامها بلازا نويفا، وغران فيا دي كولون بمبانيها الفخمة، ثم الأحياء الأكثر تواضعًا، حيث كانت الناس تنشر الغسيل في الشرفات، ويلعب الأطفال على الأرصفة.
كانت الحافلة تفرغ تدريجيًّا في كل محطة، في قرى لا تعرف