طفل يعثر على حصانٍ مقيّد في الصحراء… لكن ما اكتشفه غيّر كل شيء!


كانت الليلة قد انقضت حين بلغا أطراف المزرعة. لم يكن الفجر قد أشرق بعد لكن ضوءا باهتا لاح خلف التلال. تمسك أليف بالحبل بيدين مرتجفتين وقاد الحصان عبر ممر ضيق لا يتعدى كونه أخدودا في التراب.
كانت خطوات تروينو تثير غبارا يتسلل إلى حلق الطفل ويلهب عينيه. امتزج ألم الچرح بإرهاق الهرب وپخوف بدائي يضغط صدره الخۏف من الانكشاف من فقدان صديقه من أن يعود وحيدا. عبرا منطقة مليئة بالأشواك. كان تروينو يعرج بشدة يرفع ساقه المصاپة كلما وطئ حصاة.
كان أليف يشجعه بهمسات رقيقة
قاربنا اصمد يا تروينو اصمد.
رد الحصان بنفخة عميقة كأنها زئير مكتوم وعد بالاستمرار. شعر أليف بفخر ومحبة واثقا أن صديقه لن يخذله. كان الحقل من حولهما متاهة من صفوف الذرة ودوار الشمس الذابل. الريح تحرك السيقان اليابسة فتصدر همسا يشبه أصواتا بعيدة.
شد الطفل الحبل بحذر منتبها لأي طقطقة. نعب غراب في البعيد فارتجف أليف ورفع بصره فرأى ظلا أسود يعبر السماء. انقبض قلبه. أكان نذير شؤم لكنه تذكر وعده لتروينو بأن يصمدا معا فاستنشق الهواء بقوة ومسح دمعة وتابع. انتهى الممر إلى طريق ترابي أوسع تسلكه أحيانا عربات الصيادين المتجهين إلى النهر.
توقف أليف عند صخرة كبيرة وهمس مرتجفا
سأستريح قليلا يا صديقي نبضي متسارع.
جلس مسندا ظهره إلى الصخرة وأسند وجهه إلى ركبتيه وأغمض عينيه. شعر بنبض تروينو قريبا ثابتا. قبض يديه ليهدئ ارتعاشهما. كان يخشى أن ينام ويستيقظ في عالم لا حصان فيه. أجبر نفسه على التنفس ببطء والتركيز على دفء الزفير القادم عبر الحبل.
بعد برهة نهض وقدم لتروينو ما تبقى من خبز قاس. أخذه الحصان بحذر ومضغ ببطء كأنه يدرك أن تلك اللقمة ثمرة شجاعة. ركع أليف إلى جواره وقال
علينا عبور ذلك الجسر الخشبي. سيصر فلا تخف. أنا معك.
أمال تروينو رأسه وتقدم خطوة بثقة. شعر أليف بقشعريرة حين وطئت قدماه الألواح.
كان كل لوح يئن وينحني تحت ثقل الحصان. سار الطفل بمحاذاة رأسه متجنبا الألواح المتعفنة. ومع كل صرير يتسارع قلبه لكنهما عبرا سالمين كأن الخۏف ذاب في ضجيج الجسر. بعده انحدر الطريق إلى واد كثيف الأشجار. لم ير أليف من قبل هذا العدد من الأشجار. كانت الأدغال كثيفة والعتمة شبه مطلقة. كان التنفس هناك كالدخول في كيس من الظلال.
أخرج المصباح المعطل وأشعله. ارتجف خيط الضوء بالكاد يضيء خطوات قليلة. تقدم بحذر ممسكا بالحبل شاعرا بنفس تروينو الدافئ إلى جانبه. ومع كل اهتزاز للضوء كان يتخيل أشباحا أغصانا كالأذرع جذوعا كهيئات بشړية. لعب عقله بالعتمة ملأها بمخاۏف وهمية. قبض أصابعه على المصباح متمنيا نهاية الوادي. أخيرا خرجا إلى فسحة حيث بزغت شمس الصباح بين القمم.
توقف أليف وشعر بقشعريرة أمام الضوء الجديد. خفض تروينو رأسه وصهل بخفة كأنه يحتفل بانتهاء الظلام. ترك الطفل الحبل وربت على ظهر الحصان. كانت الساق المصاپة رخوة لكن الحصان تحمل بكرامة. عقدت الغصة حلق أليف وفاضت مشاعر الارتياح والحب بدموع مكبوتة. جلس على صخرة وراقب الوادي خلفه حيث لا تزال الظلال متشبثة بالأدغال.
ثم نظر إلى الطريق أمامه يتلاشى بين تلال خضراء وجدول يتلوى بين أزهار برية. كان الهواء معطرا بالعشب والحرية. استعاد أليف قواه بصمت يتغذى على الشمس التي جففت دموعه ودفأت وجهه.
نجحنا همس لكن الطريق ما زال طويلا.
أسند تروينو رأسه على كتفه تأكيدا للعهد. مد أليف يده وربت على خده لمسة مفعمة بالامتنان والوعد. لم يبعد الحصان نظره.
كانت عيناه تعكسان إصرارا على المضي رغم الألم. بزفرة أخيرة التقط أليف الحبل ونهض وتابع مع تروينو. كان كل خطوة على ذلك الطريق الممزوج بالخۏف تعمق رابطتهما وتحيل الرهبة شجاعة فقد تعلما أن الأمل والمحبة قادران على هداية من يعتني أحدهما بالآخر مهما اشتد وعثاء الطريق وسواد الليل. كانت الشمس تزحف ببطء فوق التلال لكن اليوم بدا لهما أبديا.
سارا ساعات طويلة على طرق منسية يعبران حقول العشب الجاف وتلالا لينة لا تمنح راحة. ضړبت الشمس ظهريهما واختلط العرق بالغبار على جلد الطفل. كان تروينو يعرج أكثر فأكثر يجر ساقه المصاپة بجهد ظاهر ونفسه يثقل ويبطؤ. أحيانا بدا أنه سيتوقف. حاول أليف ألا يحدق في الچرح كثيرا.
كان يعلم أن منظره سيصيبه بالهلع. كانت الضمادة متسخة وحافتها السفلى تعاود الاحمرار پالدم. المرهم البدائي الذي وضعه ليلا لم يعد ينفع ولا ماء ولا طعام سوى عزيمة عمياء على عدم العودة. عند منطقة صخرية محاطة بالشجيرات توقف أليف. كانت منخفضا صغيرا يحمي من الريح. ربط حبل تروينو بغصن منخفض وتركه يستلقي.
سقط هو أيضا على الأرض الساخنة. كان فمه جافا ولسانه ملتصقا بحنكه وبطنه خاوية منذ الليلة الماضية. كان جسده يطالب بالراحة لكن عقله ظل متيقظا مدفوعا بالخۏف من أن يعثر عليهما أحد ومن أن يذهب تضحية تروينو سدى وأن يكون الأمل وهما طفوليا. أطلق تروينو حين استلقى صهيلا قصيرا كأن شكوى داخلية. زحف أليف ووضع رأسه على عنقه.
أعلم أنا جائع مثلك همس لكن اصبر قليلا. لا بد أن نجد شيئا.
بقي دقائق يستمع إلى دقات قلب الحصان بطيئة ثابتة كطبل يحدد إيقاع شجاعته. ثم نهض بصعوبة وبدأ يبحث حوله. لم ينتظر معجزات فقط لقمة ثمرة يابسة بركة ماء. فتش بين الشجيرات تحت الصخور والجذور اقتلع عشبا مر الرائحة كان يعلم أنه غير سام وجمع أوراقا عريضة.
حملها في قميصه وعاد إلى تروينو الذي لم يتحرك.
ليس وليمة لكنه أفضل ما وجدت قال وهو يضع الأوراق قرب فم الحصان.
شم تروينو العشب وأكل قليلا بلا حماسة. ابتلع أليف نصيبه بصعوبة. كان طعم التراب لاذعا لكن لم يشتك. تألم معدته واشټعل حلقه فشد على أسنانه. لم يكن مسموحا له بالضعف. استلقى بجوار الحصان وحدق في السماء.
كانت غيوم كثيفة تغزو الزرقة. شعر بنسمة باردة أدرك معها اقتراب المساء. لا يمكنهما المكوث هناك ليلا لكنه لا يمكنهما المتابعة دون راحة. تقوس تحت ظل الحيوان وأغمض عينيه قليلا. ثم كذكرى تحولت لحنا بدأ يدندن. أغنية كانت أمه تغنيها له حين يمرض أو ېخاف. كان صوته يرتجف لكن كل نغمة خرجت من القلب.
أدار تروينو رأسه ونظر إليه. كانت الأغنية جسرا غير مرئي بينهما. أغمض الحصان عينيه. خفض أليف صوته وبطأ اللحن حتى غفا ورأسه على التراب الدافئ.
استيقظ مذعورا. كان الجو أبرد والسماء أكثر رمادا. صهيل تروينو أيقظه. نهض فجأة وتفحص المكان. لا شيء سوى الريح تحرك الشجيرات.
اقترب وربت عليه.
اهدأ إنه الريح فقط.
لكنهما كانا يعلمان أن الأمر ليس كذلك. كان جسد تروينو يرتجف. المشي والچرح أنهكاه. شعر أليف بفراغ عميق. لا يمكن أن تنتهي القصة هكذا. لا بعد كل هذا. انحنى إلى الضمادة فكها بحذر ونظر إلى الچرح. كان مفتوحا متورما والصديد يعود للظهور.
لم يكن هناك وقت للانتظار. كان عليه أن يفعل شيئا. مزق قميصه إلى شرائط وبقبضة من طين رطب وأوراق نظيفة صنع ضمادة جديدة. سيضغط الطين ويخفف الالتهاب لساعات على الأقل. عمل بسرعة يداه موحلتان وعيناه جافتان. بقي تروينو ساكنا