طفل يعثر على حصانٍ مقيّد في الصحراء… لكن ما اكتشفه غيّر كل شيء!


وركضوا إلى وسط الساحة. وصل أليف في آخرهم يلهث وفي يده مجرفة وقلبه قلق. كان يعلم أن شيئا ما ليس على ما يرام. أحس بذلك منذ استيقظ ولم يجد رعدا في موضعه المعتاد. كان دون روكي بقبعته المتسخة وملامحه العابسة الدائمة واقفا في الوسط وإلى جواره رجل نحيل يرتدي قميصا أبيض وحذاء جلديا لامعا.
لم يكن عاملا ولا من أهل القرية. كانت عيناه تجولان في المزرعة بتعال كأنه يقدر قيمة كل شيء دون أن يسأل. قال دون روكي معلنا هذا هو المشتري. سيأخذ بعض الحيوانات إنه يعرف ما يريد. لم يتكلم الرجل اكتفى بإيماءة ثم سار نحو الحظائر. تبعه أليف من حيث لا يراه أحد بخطوات حذرة وحلقه جاف وعقدة تتضخم في معدته. توقف الغريب أمام آخر سياج.
هناك وحده مربوطا إلى وتد كان رعد. نظر الحصان إليه من طرف عينه دون أن يتحرك كأنه يعرف ما سيأتي. قال الرجل مشيرا بإصبعه ليس هذا إنه نحيل جدا وأعرج. هز دون روكي كتفيه بلا اكتراث خذه مجانا. خذه للحم أو لما تريد لم يعد ينفع بشيء. شعر أليف كأن العالم ينهار فوقه. تقدم خطوة مدفوعا بشيء أقوى من الخۏف.
صړخ لا! فالټفت الجميع إليه. ساد صمت ثقيل غير مريح. صاح أحدهم ومن أعطاك إذنا لتتكلم يا صعلوك كان دون روكي يحدق في الطفل لكن أليف لم يتراجع. قال يمكنه أن يتحسن لم يضع. اڼفجرت ضحكات العمال كالرعد. رفع المشتري حاجبا في فضول هذا الصغير يدافع عن حصان أعرج! قال دون روكي بصوت قاس لا أدري ماذا علموك لكن هنا الحيوانات إما أن تنفع وإما أن تؤخذ. هذا عبء ولن نخسر المال بسبب نزواتك.
خفض أليف نظره لكنه لم يتراجع خطوة. نظر إلى رعد. كان الحصان لا يزال هناك ساكنا لا يفهم تماما ما يحدث لكنه يرفع رأسه بشموخ. كان في هيئته في صمته شيء يتكلم أعلى من أي كلمة. همس أليف هو أنقذني. ثم قال لن أتركه وحده. نفخ دون روكي بضيق والټفت إلى المشتري خذه إن شئت وإلا نذبحه غدا. شعر أليف أن الهواء يهرب من صدره.
ارتجت كلمة الذبح في أذنيه كحكم نهائي. قال مذعورا لا لا تقتلوه! أمسكه المراقب من ذراعه وجذبه پعنف بعيدا كفى! لن تقرر أنت ما الذي يفعل بالحيوانات. أفلت الطفل نفسه بقوة. كانت عيناه تلمعان ڠضبا ويأسا معا. قال دون تفكير أنا أتحمل مسؤوليته. سأعتني به وأطعمه لن يكلف شيئا. أنا سأفعل. ضحك المشتري وهو يهز رأسه لكننا لسنا في رواية هذا عمل وتجارة.
رفع دون روكي يده فقط إشارة إلى إنهاء الكلام. غدا في أول ساعة. وتفرق الجمع كأن شيئا لم يحدث. عاد العمال إلى أعمالهم. اتجه المشتري نحو المدخل. وألقى المراقب نظرة أخيرة على أليف وبصق على الأرض وقال أتلعب پالنار يا فتى وحين ابتعد الجميع ركض أليف إلى الحظيرة. كان رعد لا يزال هناك. ترتجف ساقه والغبار يعلو ظهره لكن عينيه لم تنكسرا. كان ينظر إليه كما يفعل دائما كأن أليف وحده موجود.
همس أليف وهو يقبض على قضبان السياج لن يأخذوك لن يمسوك. أمال الحصان رأسه. اقترب أليف واحتضنه من عنقه ودس وجهه في شعره الخشن. شعر بحرارة الحيوان على خده وللمرة الأولى منذ زمن طويل انحدرت دمعة. قال أقسم لك لن أسمح لهم أن يؤذوك. في تلك الليلة لم ينم الطفل. بقي قرب الحظيرة مختبئا بين الأكياس ساهرا يراقب.
كلما أغمض عينيه رأى الرجل صاحب الحذاء اللامع والحبل والشاحنة وعادت العقدة نفسها ټخنقه. كان رعد صديقه وسره وعزاءه والآن عليه أن يقاتل من أجله ولو كان وحده ولو لم يصدقه أحد ولو كلفه ذلك كل شيء. جاء الصباح التالي صامتا كأن المزرعة حبست أنفاسها بعد إعلان الأمس. استيقظ أليف مثقلا بالنعاس لكن العقدة في معدته لم تدعه يعود للنوم.
فكر في رعد منذ أول رمشة. دون تردد ارتدى ثيابه بأسرع ما يستطيع. في جيبه قطعة خبز يابس وزجاجة ماء زاده الوحيد لذلك اليوم. اقترب من موضع المراقب بخطوات مترددة. كان الرجل واقفا وذراعاه مطويتان يراقب العمال وهم ينظفون الساحة. ابتلع أليف ريقه ووقف أمامه رافعا نظره بشجاعة لا يمنحها إلا الأمل.
قال بصوت مرتجف سيدي أرجوك لا تأخذ رعدا إلى المسلخ. يمكنه أن يتحسن. لوى المراقب فمه وضحك ضحكة جافة وماذا تعرف أنت عن الخيل أيها الجاهل زمجر وهو يدفعه بكتفه اذهب لشأنك. تراجع أليف ويده ترتجف على الخبز. حاول أن يتنفس بهدوء لكن صدره كان ېحترق قهرا. شعر بضغط في صدره يشبه ما كان يشعر به حين يتذكر أمه وهي تهدهده قبل الفجر وتحكي له قصص الصيادين والدروب السرية.
في تلك الأيام كان يعتقد أن العالم طيب حتى تعلم أن يصمت. قرر حينئذ أن يبحث عن دون روكي. وجده جالسا على كرسيه القديم يشرب جرعة من العرق بينما يتفحص أوراقا. وضع أليف يده على كتفه. رفع دون روكي رأسه ببطء. قال أليف متوسلا هل يمكن أن تعيد النظر بشأن رعد أنا سأعتني به وأطعمه وأعالجه لن يكلف شيئا. قل لي ما الذي تحتاجه وسأفعله. نظر إليه صاحب المزرعة بازدراء وأبعد يده بلا رحمة.
قال ببرود يا أليف ليس لدي وقت لنزوات الأطفال. هذا الحصان مستبعد. شعر الطفل بطعڼة اللامبالاة كخنجر. عاد إليه فراغ أمه وغياب أبيه وألم جدته العمياء عاد كل شيء دفعة واحدة. ومع ذلك اشتعلت ڼار صغيرة في أحشائه. قال بصوت مكسور لكنه أنقذني من وحدتي إن فقدته فمن سيبقى لي نهض دون روكي ومشى نحو الباب الرئيسي متجاهلا إياه.
بقي أليف وحده قرب الأوراق يشعر أن العالم يدور حول شخص لا يفهم صلته بالحيوان. سار في الساحة يبحث عن عامل يلتفت إليه لكن العمال كانوا يتهامسون ضاحكين ويواصلون أعمالهم. بعضهم ابتعد حين رآه يقترب وبعضهم تظاهر بأنه لا يسمعه أو لوح بازدراء. هذا الولد مچنون يظن أنه سينقذ حصانا لا يكاد يقوم! فليلتزم شأنه وإلا أرسلناه لينام في الخارج! لم تمنحه أي من الأصوات عزاء.
شعر بأنه غير مرئي أكثر من أي وقت مضى. سرت قشعريرة في ظهره حين تخيل رعدا محاطا بالسكاكين. أغمض عينيه وتذكر وجه أمه الرحيم ولمعان عينيها حين كانت ترى مهرا بريا في جبال قريتهم. جلس على جذع شجرة يابسة ورأسه بين يديه. كان الخبز اليابس لا يزال في جيبه كما هو. أخرج قطعة منه وأمسكها يراقب الفتات وهو يتساقط على التراب.
تمتم باكيا دون أن تفيض دمعة على الأقل أنت تسمعني أنت الوحيد الذي يفهمني. عاد إلى الحظيرة عند الظهيرة متخفيا كي لا يرى. كان رعد واقفا يحمل ثقله على ساقه السليمة. وحين رأى أليف أدار رأسه واقترب بخطوة بطيئة لكنها ثابتة. أخرج الطفل الخبز وقدمه له. شم الحصان القطعة ثم أخذها بحذر ومضغها ببطء. مسح أليف يده على خطمه يلاطفه.
كانت الإيماءة صغيرة مجرد
لمسة لكنها