طفل يعثر على حصانٍ مقيّد في الصحراء… لكن ما اكتشفه غيّر كل شيء!


البرك والأغصان المکسورة.
عندما وصل إلى الحظيرة كان الليل حالكا. لا قمر فقط الصمت وصوت تنفس الحصان الهادئ. كان هناك كعادته مستلقيا على جانبه الأقل ألما. بدا جسده الكبير أكثر هشاشة في الظلام.
اقترب ألف وجلس إلى جانبه.
لم يقل شيئا.
فتح الحصان عينيه ونظر إليه.
قال ألف هامسا
لم أستطع النوم ظللت أفكر إن كنت أنت أيضا لا تستطيع.
أغمض الحصان عينيه ببطء كأنه يفهم. وضع ألف المصباح جانبا واستلقى على الأرض رأسه قرب عنق الحيوان. بقيا هكذا طويلا يتقاسمان الهواء والحضور.
قال الصبي بصوت منخفض
صرخوا علي اليوم مرة أخرى لأنني لم أحمل الدلو بسرعة. دفعوني لكنني لم أجب. إن رد الإنسان يصبح الأمر أسوأ.
كان تنفس الحصان بطيئا منتظما. جسده يعلو ويهبط بهدوء.
قال ألف
أنت أيضا ېصرخون عليك ويضربونك حين لا تفعل ما يريدون.
لم يكن هناك جواب. لم يكن ضروريا.
اعتدل ألف قليلا ونظر إلى وجه الحصان. كانت عيناه الكبيرتان اللامعتان تحدق فيه بشيء لا يشبه الخۏف. كان أشبه بالاعتراف بأنه في تلك اللحظة ليس وحده.
مد ألف يده المرتجفة. تردد. أبقاها معلقة في الهواء لحظة طويلة كأن الزمن توقف.
ثم بحركة بطيئة رقيقة وضعها على عنق الحصان. كان الجلد دافئا خشنا حيا. لم يتحرك الحصان لم ينفخ لم يرتجف.
حبس ألف أنفاسه. انزلقت أصابعه برفق فوق الوبر كأنه ېلمس شيئا مقدسا. كانت لمسة قصيرة بطيئة مرتبكة لكنها صادقة.
همس
كانت أمي تقول إن الإنسان حين ېلمس بقلبه يشعر الآخر بذلك حتى لو لم يقل شيئا.
أغلق الحصان عينيه. بدا وكأنه نام.
بقي ألف ساكنا ويده ما تزال على عنقه كأن ذلك اللمس كان يبقيه هو أيضا واقفا.
قال بصوت مرتجف في آخره
سأعتني بك لا أعرف كيف. لا أملك شيئا لكنني سأعتني بك.
لم يكن الارتجاف خوفا ولا حزنا بل قوة شعور لم يعرفه من قبل. شيء جديد. ارتباط حقيقي.
بعد وقت طويل سحب ألف يده برفق. لم يفتح الحصان عينيه كان قد غرق في النوم. تمدد الصبي إلى جانبه من جديد.
لم يكن البرد مهما ولا الظلام ولا التعب. للمرة الأولى منذ زمن طويل لم يشعر أليف بأنه غير مرئي. للمرة الأولى أدرك أن لوجوده قيمة وأنهحتى وإن كان صغيرا متسخا صامتا وفقيرايمكن أن يعني شيئا لأحد. غلبه النوم في مكانه ووجهه مسنود إلى ظهر الحصان الدافئ ومعه وعد خفي برابطة لا يمكن كسرها بعد الآن. وحين شق أول شعاع للشمس السماء كانا لا يزالان هناك يتنفسان الإيقاع نفسه.
سعال خفيف. وتلك المداعبة البسيطة الصامتة كانت قد غيرت إلى الأبد موقع كل منهما في هذا العالم. كان صياح الديكة قد خمد حين فتح أليف عينيه. ظل ممددا إلى جوار الحصان ووجهه ملتصق بظهر الحيوان الدافئ وجسده متيبسا من برد التراب. كان الحصان لا يزال نائما أو على الأقل لم يتحرك. أنفاسه عميقة هادئة. نهض أليف ببطء محاولا ألا يوقظه. لقد نام سلاما لم يعرفه منذ كانت أمه حية والآن صار يخشى أن يفقد ذلك السلام.
وقف ينفض الغبار عن ثيابه وألقى نظرة أخيرة على الحصان قبل أن يركض عائدا إلى الكوخ. كانت جدته لا تزال نائمة جالسة على الكرسي ورأسها مائل وبطانية على ساقيها. قبل أليف جبهتها وعدل الشال عليها ثم خرج في صمت. كانت الشمس قد ارتفعت والمزرعة تغلي بالحركة. العمال ېصرخون بالأوامر والمراقب يستحث المتباطئين ودخان الموقد أخذ يرتفع حلزونيا من جهة المطبخ.
كان أليف يعلم أنه لا ينبغي أن يترك أثرا. سره هش. إن اكتشفه أحد فلن يعرض نفسه للضړب فقط بل سيفقد أيضا الشيء الوحيد الجيد الذي حدث له منذ سنين. عاد إلى عمله كأن شيئا لم يكن. جمع الأدوات حمل الأحمال أطاع الأوامر دون أن يرفع عينيه. ظل غير ملحوظ كما كان دائما لكن ذهنه كان في مكان آخر في الحظيرة في چرح الحصان في لمسة الليلة الماضية. وحين حان وقت الغداء تسلل إلى المخزن ومعه خبز يابس وكوب من مرق بارد.
جلس فوق برميل مخبوء بين أكياس الذرة وأكل على عجل. ثم تناول قطعة قماش نظيفة وزجاجة فيها قليل من ماء كان قد أخفاها في اليوم السابق. قال لنفسه بصوت خاڤت لا يمكنني أن أترك الأمر يزداد سوءا. وباستغلال كون الجميع يستريحون ركض نحو الحظيرة. كان الحصان قد نهض رغم أن ساقه المصاپة لا تزال ترتجف. وحين رأى أليف حرك أذنيه وأطلق نفخة خفيفة تكاد تكون تحية. قال الطفل وهو يقترب ببطء مرحبا يا رعد.
كان قد سماه بالفعل وإن لم يكن أحد سواه يعلم رعد. لا لأنه صاخب بل لأنه كان يشعر أنه في يوم ما حين يمر كل شيء سيعود ليدوي في الأرض كما كان من قبل. تركه الحصان يقترب بلا خوف. نظف أليف الچرح بحذر بمهارة أكبر من اليوم السابق. كان يتعلم سريعا. وكل يوم يمر بجوار رعد كان يجعله أقوى وأكثر عزيمة. همس أنت تسمح لي أن أعتني بك هذا يعني أنك تثق بي أليس كذلك رمش الحصان بعينيه.
ابتسم أليف لكن ذلك السلام انكسر فجأة. ماذا تفعل هناك أيها الصغير دوى صوت المراقب من خلف السياج. استدار أليف فورا وقلبه في حلقه. كان الرجل ينظر إليه وذراعاه مطويتان وعبوسه شديد. قال أليف متلعثما لا شيء يا سيدي كنت فقط فقاطعه المراقب وهو يقترب أتريد أن تضيع الوقت مع دابة عرجاء ألم يعلموك أن الحيوانات المکسورة ترمى نهض أليف واقفا وهو يخفي قطعة القماش خلف ظهره.
قال بصوت بالكاد يسمع إنه ليس مكسورا إنه بحاجة إلى مساعدة فقط. أطلق المراقب ضحكة جافة وانحنى نحوه وانتزع القماش من يده. صړخ في المرة القادمة أرسلك لتنام في الخارج بلا طعام! لم يرد أليف. لم يبك. اكتفى بخفض نظره. مضى المراقب يتمتم بالشتائم فعاد الطفل ينظر إلى الحصان. كان رعد لا يزال ساكنا لكن عينيه لم تكونا فارغتين. شعر أليف أنه ينظر إليه بشيء يتجاوز الفضول.
كأنه يفهم. في ذلك المساء لم يستطع الطفل العودة إلى الحظيرة. راقبوه عن قرب. أجبروه على تنظيف الإسطبلات ثم حمل الحطب. انتهى ويداه متشققتان وقدماه متسختان وجسده مرهق لكن روحه لم تنكسر. وحين دخل الليل وعاد الصمت إلى المزرعة تسلل أليف مرة أخرى. مشى ببطء بلا ضوء حتى بلغ الحظيرة. كان رعد مضطجعا لكنه ما إن سمعه حتى رفع رأسه. همس الطفل آسف لأنني لم آت قبل.
وأضاف بصوت خفيض اكتشفوني يا رعد لكن لا يهم لن أتركك. جلس إلى جواره وأخذ يربت عليه ببطء. أغمض الحصان عينيه. قال أليف أهو سرنا ثم أجاب نفسه وكأنه يثبت الأمر نعم. لا أحد غيرنا يعرف. ولا ينبغي لأحد أن يعرف. أسند رأسه إلى صدر الحيوان ولليلة الثانية على التوالي غلبه النوم. وفي مكان ما من المزرعة كان المراقب يراقبه من بعيد دون أن يلحظ الطفل وفي تلك اللحظةدون أن يدريبدأ سر أليف يتهدده الخطړ.
شق صفير حاد للمراقب الصباح كأنه سوط غير مرئي. توقف العمال جميعا عما يفعلون