طفل يعثر على حصانٍ مقيّد في الصحراء… لكن ما اكتشفه غيّر كل شيء!


قد استيقظوا منذ وقت مبكر ېصرخون ويدفعون ويقودون الحيوانات پعنف. كان ألف يتحرك بينهم بعينين متورمتين من السهر يحمل كيسا من الذرة على كتفيه لكن انتباهه لم يكن هناك.
في كل مرة تسنح له الفرصة كان يلتفت نحو الحظيرة. هناك كان الحصان ممددا كما في كل يوم لكنه بدا مختلفا. لم يعد غارقا في اللامبالاة.
حين مر ألف بمحاذاة السياج رفع الحصان رأسه وراحت عيناه تبحثان عنه وسط الحركة.
لم يصدر صوتا لم يصهل فقط نظر إليه.
شعر ألف بشيء يخفق في صدره. لم يكن خوفا بل اعترافا.
لم يكن يستطيع التوقف فأنزل الكيس في المخزن وحمل آخر ثم مر من جديد. تكررت النظرة. لم تعد مصادفة بل صلة صامتة وثابتة.
أسرع أيها الصغير! صړخ أحد العمال.
أنكس ألف رأسه ومضى لكن شيئا ما كان قد اشټعل داخله.
طوال اليوم كان يبحث عن لحظات يعود فيها إلى الحظيرة. عند الظهيرة تظاهر بأنه ذاهب لجلب الماء وحمل معه قطعة قماش مبللة. انحنى قرب الحصان ونظف الچرح دون أن يتكلم. لم يئن الحصان بل كان يراقبه بانتباه وكأن تلك اليدين الصغيرتين أكثر أمانا من كل الأيدي التي لمسته من قبل.
قال ألف وهو يزيل الطين اليابس عن جبينه
أنا أفهمك أنا أيضا أشعر أنني مكسور.
لم يكن ذلك شعرا بل حقيقة.
لم يكن لألف أب. ماټت أمه منذ عامين. وكانت جدته بالكاد تستطيع المشي. توقف عن البكاء حين فهم أن لا أحد سيأتي لينقذه. تعلم أن يتحرك بصمت وألا يشغل حيزا مثل الحصان.
في تلك الظهيرة بينما كان الآخرون نائمين في الإسطبلات بقي ألف قرب الحصان دون أن يلمسه. كانا يتقاسمان الوقت فقط. كانت أذنا الحصان تتحركان مع حركة الريح وأحيانا كان يدير رأسه وينظر إليه. لم يكن هناك حاجة لشيء آخر.
قال ألف بصوت منخفض
هناك أناس يتكلمون كثيرا لكنهم لا يقولون شيئا وأنت لا تقول شيئا ومع ذلك أفهمك.
أغلق الحصان عينيه للحظة. ابتسم ألف. كانت تلك النظرة الصامتة كأنها جواب. وكأن أحدا ما رآه أخيرا كما هو.
عندما بدأت خطوات العمال تسمع من جديد نهض ألف.
قال
هل يجب أن أذهب
فتح الحصان عينيه وحرك رأسه قليلا كأنه يريد منعه. توقف ألف ثم قال
سأعود كلما استطعت سأعود.
وفعل.
في كل يوم خلال الفراغات غير المرئية من عمله كان يعود. أحيانا ومعه خبز يابس أحيانا كلمة وأحيانا مجرد حضوره. وفي كل مرة كان الحصان يستقبله بالنظرة نفسها مزيج من حذر انهزم وحاجة صامتة.
في إحدى الأمسيات بينما كان العمال الآخرون يحملون الحطب تمكن ألف من البقاء وقتا أطول. جلس إلى جانب الحصان وبدأ يحكي له عن أمه كيف كانت وعن طبخ جدته وعن حلمه بأن يملك دراجة يوما ما حتى وإن لم يكن يعرف كيف يركبها.
كان يتحدث ببطء كأن الكلمات ماء لا يريد أن يسكبه. لم يتحرك الحصان لكنه كان ينفخ أنفاسا خفيفة بين الحين والآخر كأنه يرد.
ثم حدث شيء مختلف.
مد ألف يده ووضعها على عنق الحصان دون ضغط. كان اللمس دافئا. لم يبتعد الحصان لم يرتجف بل بقي ساكنا. شعر ألف بعقدة في حلقه.
قال
شكرا لأنك لا تخاف مني.
وعندما غادر في ذلك اليوم ظل الحصان يتبعه بنظره حتى اختفى خلف المخزن.
ولم يتبادلا كلمة واحدة لكن ما قالته أعينهما كان أقوى من أي وعد.
في تلك الصباح هبت الرياح بقوة وارتفع الغبار الجاف واضطر العمال إلى تغطية أعينهم بأذرعهم. كان ألف يحمل كيسا من الشوفان على ظهره يمشي بصعوبة والغبار يدخل فمه وأنفه لكنه لم يشتك. كان يفكر في شيء واحد فقط هل الحصان بخير
كان قد قضى الليل يحلم به. لا كلمات ولا مشاهد واضحة بل إحساسات تنفسه دفء عنقه الطريقة التي ينظر بها إليه كأنه يستطيع أن يودع لديه ثقل ألمه.
استيقظ ألف وهو يشعر برغبة في أن يفعل شيئا أكثر.
عندما أنهى جولته توجه مباشرة إلى المطبخ ومن دون أن يستأذن أخذ قطعة خبز يابس كانت على الطاولة أخفاها تحت قميصه وخرج من الباب الخلفي.
ركض نحو الحظيرة وهو يلهث. كان الحصان هناك كما في كل يوم ممددا قرب السياج. كان رأسه منخفضا لكنه ما إن سمع الخطوات حتى رفعه. أضاءت عيناه بذلك الوميض الصغير الذي تعلم ألف أن يميزه.
قال الصبي وهو ينحني
أحضرت لك شيئا.
أخرج الخبز وقسمه بعناية إلى نصفين. وضع أحدهما قرب فم الحصان واحتفظ بالآخر في جيبه.
قال
اليوم لم آكل شيئا لا يهم. أنت بحاجة إليه أكثر.
شم الحصان الخبز ثم أخذه وبدأ يمضغه ببطء. كان ألف يراقبه وكأنه معجزة.
همس
تقول جدتي إن الخبز يقاسم مع من يصغي إليك وأنت تصغي حتى من دون كلام.
وبينما كان الحصان يأكل لاحظ ألف أمرا لم ينتبه له من قبل. كان الچرح أسوأ. الجلد ممزق والصديد يحيط به وحوافه محمرة. تصاعدت رائحة حادة من اللحم.
همس بفزع
آه لا.
نظر الحصان نحوه بنفس متضايق لكنه لم يتحرك. الټفت ألف حوله. لم يكن هناك أحد.
ركض إلى المستودع أحضر دلوا من الماء وخرقة قڈرة وعاد مسرعا. جثا وبدأ ينظف الچرح بحذر شديد. تحول الماء إلى لون أحمر فورا.
قال وهو يبلل الخرقة مرارا
أعدك أنني لن أؤذيك.
كان الچرح عميقا مفتوحا كشق في الأرض وعالقة به بقايا قش. شعر ألف بالغثيان لكنه لم يتوقف. عمل بصمت وبعناية لم يظهرها أي بالغ للحصان من قبل.
قال وهو يواصل التنظيف بلطف
كانت أمي تعالجني هكذا عندما كنت أجرح ركبتي كانت تقول إن الحنان يشفي أسرع من الكحول.
تنفس الحصان بقوة لكنه لم يبتعد. كان ساكنا كأنه يفهم أن الصبي لا يريد إيذاءه.
عندما انتهى جلس ألف إلى جانبه وحدق فيه طويلا.
قال
أنت مليء بالجراح لكنك لا تخاف أو ربما تخاف لكنك لا تظهر ذلك. أنت قوي.
أخرج نصف الخبز الآخر من جيبه وقدمه له في راحة يده. هذه المرة أخذه الحصان مباشرة من بين أصابعه.
قال ألف هامسا
هكذا تبدأ الثقة أليس كذلك
بدأت الشمس تميل نحو الغروب حين سمع أصواتا من بعيد. نهض الصبي فجأة رمى الخرقة في الدلو وابتعد راكضا خلف المخزن. لم يكن يمكن أن يرى. لو اكتشفوه لطردوه أو أسوأ من ذلك قد يؤذون الحصان.
من خلف الأكياس راقب المشهد. كان الحصان يتبعه بنظره رغم أن أحدا غيره لم ينتبه لذلك. كان في معدته خبز وفي جسده ماء وجرحه أنظف قليلا لكن الأهم كان في عينيه.
كان هناك أمل.
شد ألف شفتيه وأقسم في سره أنه سيعود كل يوم مهما اضطر للاختباء ومهما عوقب لأنه بات يعرف الآن
لم يكن الوحيد الذي يحمل جراحا.
وإذا كان هذا الحصان قادرا على تحمل ألمه بكرامة فسيفعل هو أيضا ذلك من أجله ذاك الذي كان من دون كلمة واحدة يعلمه كيف يصمد.
حل الليل ببرودة تسللت عبر الجدران الخشبية وجمدت العظام. تقرب ألف من جدته التي كانت نائمة تحت بطانية رقيقة تتمتم بكلمات غير مفهومة. لم يستطع النوم. كان يشعر أن شيئا ما يناديه.
نهض ببطء من دون صوت وأخذ مصباحه القديم المرتجف. كانت الريح تجر الأوراق اليابسة في فناء المزرعة. مشى حافي القدمين بخطوات خفيفة
متجنبا