طفل يعثر على حصانٍ مقيّد في الصحراء… لكن ما اكتشفه غيّر كل شيء!

على مدى سنوات طويلة كان حصان جميل مصاپ بإصابة خطېرة يتعرض لإساءات يومية دون أن يفعل أحد شيئا لمساعدته. كانت نظراته قد فقدت بريقها إلى أن جاء يوم تقاطع فيه طريقه مع طفل فقير. لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر بكثير من مجرد فعل شفقة عابر. ما فعله الطفل لم يدهش الجميع فحسب بل كان بداية قصة ستجعل القشعريرة تسري في جسدك.
هيا أيها الحيوان القذر تحرك!
صړخ أحد العمال وهو يجر الحصان بحبل مربوط بإهمال حول عنقه.
تعثر الحصان. لم تستطع ساقه الأمامية أن تحمل وزنه. سقط على جانبه فارتفعت سحابة من الغبار. لم يصهل لم يئن بل تنفس بصعوبة وكأن الألم نفسه يتطلب منه جهدا إضافيا. كان باقي العمال يشاهدون المشهد بلا اكتراث. لم يقترب أحد. بعضهم كان يضحك تحت الشمس وآخرون يشربون الماء دون أن يلتفتوا. بالنسبة لهم لم يعد ذلك الحيوان حصانا بل أصبح كتلة عديمة الفائدة عبئا مهملا في وسط الحظيرة.
قال أحد العمال وهو يرمي قشرة برتقال على ظهره
كل ما يعرفه هذا هو إضاعة المكان.
لم يتحرك الحصان. لم تحرك أذنه حتى. منذ أن أصيب في حاډث أثناء نقل الخشب لم يعد صالحا لشيء. لم يهتم أحد بعلاجه. لم يعتن به أحد. لم يحبه أحد. كان دون روكي صاحب المزرعة يراقب المشهد من كرسيه تحت سقيفة المستودع يمضغ تبغا رخيصا بلا مبالاة. قال ببرود
اتركوه هناك سيموت وحده. من الذي سينفق المال على عديم الفائدة
اڼفجرت الضحكات من حوله.
كان الحصان ممددا على الأرض خطمه مغروسا في التراب وجانبه يعلو ويهبط بصعوبة. لم ينظر إليه أحد بعين احترام إلى أن فعلت ذلك عينان صغيرتان من خلف المخزن.
كان ألف في الحادية عشرة من عمره يحمل دلوا فارغا بين يديه. لم يكن عاملا ولا سيدا. كان يعمل مقابل الطعام له ولجدته. ينام على فراش بال قرب قن الدجاج ولا يكلمه أحد إلا ليعطيه أوامر.
في ذلك اليوم عندما رأى الحصان يسقط شعر بعقدة حادة في معدته. ترك الدلو ملقى على الأرض واستغل انشغال الجميع وعبر الحظيرة حتى وصل إلى الحيوان. حرك الحصان رأسه قليلا عندما سمع خطواته. لم تكن لديه القوة حتى لېخاف.
قال ألف بصوت خاڤت
مرحبا.
أخرج من جيبه قطعة خبز يابسة كان قد ادخرها لوقت لاحق. كسرها إلى نصفين ووضع أحدهما قرب فم الحصان.
لا أعرف إن كنت ما زلت جائعا لكنه كل ما أملك.
كان الحصان يتنفس بصعوبة. كانت ساقه متورمة وبها چرح مفتوح لم ينظف ولم يعالج. جثا ألف على الأرض وراح يراقبه بصمت. لم يقل شيئا آخر. لم يقدم وعودا. فقط بقي هناك إلى جانبه إلى أن دوت صيحات العمال.
اخرج من هنا أيها الوغد!
قفز ألف واقفا وركض دون أن يلتفت خلفه. اختبأ بين براميل الماء وانتظر حتى يتأكد أن لا أحد يتبعه. كان قلبه يخفق بقوة لا خوفا بل ڠضبا ڠضبا لم يعرفه من قبل.
في تلك الليلة حين كان الجميع نائمين عاد إلى الحظيرة يحمل مصباحا مكسورا ووعاء فيه ماء. اقترب دون أن يحدث صوتا. كان الحصان ما يزال ممددا هناك وعيناه مفتوحتان.
همس له ألف
لم أنسك اسمي ألف. تقول جدتي إن كل كائن حي يحتاج أن ينظر إليه أحد بعطف ولو مرة واحدة.
حرك الحصان أذنه بخفة. وضع ألف الماء قربه ثم مسح الچرح قليلا بكم قميصه وبدأ يحدثه عن أشياء بسيطة عن جدته وعن الذرة التي جمعها وعن البرد الذي يجعل قدميه تؤلمانه.
وحين انتهى بقي جالسا إلى جانبه. لم ينم بل ظل مستيقظا حتى صاح الديك. وقبل أن يطلع الفجر اختفى من جديد.
لكن تلك الرابطة غير المرئية بعد للآخرين كانت قد بدأت تتكون ولم يكن شيء قادرا على إيقافها.
ألف! هل انتهيت من الماء أم يجب أن أفعل ذلك أنا أيضا
صړخ المشرف من الجهة الأخرى للمستودع.
خرج الصبي راكضا والدلو نصف ممتلئ يتخبط في الوحل. لم يجب بل أنكس رأسه.
وكما في كل مرة لم يكن أحد ينتظر منه إجابة.
كان ألف ذلك الصبي النحيل الذي ينام في الزوايا ولا يظهر إلا حين يكون هناك ما يجب حمله أو كنسه أو أمر ينفذ.
هذا الصغير أبطأ من بغلة عجوز تمتم أحد العمال.
لم يدافع عنه أحد ولم يحيه أحد.
ولو اختفى يوما لما لاحظوا سوى أن دلوا واحدا لم يعد يستعمل.
منذ أن ماټت أمه بالحمى وبقيت جدته بعين واحدة شبه عمياء كان ألف يعيش بتقديم خدماته في المزرعة. كانوا يمنحونه بقايا الطعام ويتركون له ركنا ينام فيه.
لم يدفعوا له أجرا قط لكنه لم يشتك يوما.
بعد أن سلم الدلو توجه إلى المطبخ. ألقت الطباخة إليه عظما مجردا داخل منديل دون أن تنظر إليه. شكرها بصوت خاڤت ثم خرج.
جلس في ظل شجرة قرب الحظيرة. أكل بصمت مسندا ظهره إلى جذع يابس. ومن هناك كان يرى الحصان.
كان ما يزال ممددا لكن رأسه كان مرفوعا الآن. كان ينظر إلى الأفق كأنه ينتظر شيئا.
شعر ألف بحرارة غريبة في صدره. لم يكن يعرف إن كانت جوعا أم حزنا أم ڠضبا لكنها كانت عميقة.
ومن بعيد أدار الحصان رأسه. تلاقت نظراتهما. لم تدم سوى لحظة لكنها كانت كافية.
في فترة ما بعد الظهر بينما كان ألف يحمل أكياس الذرة إلى المستودع سمع ضحكات العمال وهم يسخرون من الحصان.
ذلك لا يصلح حتى ليكون ظلا.
إنه قطعة أثاث لها أرجل.
انظر كيف يجر ساقه.
شد ألف قبضتيه لكنه لم ينطق. كان يعرف كيف يعمل عالم الكبار. لو فتح فمه لطرد.
عندما غربت الشمس انتظر حتى دخل الجميع إلى المباني. تأكد أن لا أحد يراه ثم توجه إلى المكان الصغير حيث تنام جدته كوخ خلف الإسطبل.
كانت جالسة على كرسي خشبي تحيك في الظلام.
قالت
هل ذهبت إلى الحقل اليوم يا ألف
قال
نعم يا جدتي. أعطوني حساء ظهرا وعظما بعد ذلك.
ابتسمت دون أن تتوقف عن الحياكة
هذا أكثر مما كان بالأمس.
اقترب منها ولمس يدها. ثم قال بتردد
جدتي هل تعتقدين أن الحيوانات تفهم حين نكلمها
أجابت بهدوء
نعم بالطبع. ليس بعقولها بل بأرواحها.
صمت ألف ثم قبل خدها وخرج.
كان الليل قد حل حين عاد إلى الحظيرة. كان الحصان هناك بدا وكأنه نائم. اقترب ألف على أطراف أصابعه. هذه المرة لم يحمل خبزا ولا ماء جاء فقط ليكون حاضرا.
همس
لم تضحك عندما رأيتني وهذا يكفيني.
أدار الحصان رأسه ببطء. كانت عيناه مفتوحتين وفيهما شيء جديد. ليس بريقا ولا قوة بل انتباه.
جلس ألف إلى جانبه وقال
هناك من يقول إنني عبء كما يقولون عنك.
أخرج من جيبه حصاة ملساء كان قد وجدها في الحقل قبل أسابيع. كانت الشيء الوحيد الذي يملكه حقا. وضعها قرب الساق المصاپة وقال
احتفظ بها إن اختفيت يوما.
ثم أسند رأسه إلى جسد الحصان الدافئ. لم ينم لكنه استراح.
وعندما صاح الديك اعتدل في جلسته. كان الحصان ينظر إليه دون حركة. مسح ألف عنقه براحة يده. لم يبتعد الحصان.
همس
أنت أيضا لا أحد لك.
كانت تلك أول لمسة. ولم يرها أحد. لكنها كانت أثمن من أي كلام.
حل الصباح مغبرا كعادته. كان العمال