حلقوا شعري حكايات صافي هاني


والمقص، وأقول ربنا حَرمني من رزقي عشان حرمت طفلة من فرحتها. أنا دُقت الذل والفقر والكسرة يا خويا، والحمد لله إن عمري ما هقابل ربنا وأنا ظالماكم.. أنا أخدت جزائي في الدنيا.
وقفت العربية قدام بيتها، وبصيت لها وقلت لها بهدوء
خلاص يا شيماء.. اللي فات ماټ، والعيال كبروا وبقوا أمهات، وكل واحد فينا حصد اللي زرعه. انزلي يا أختي ومتشيليش هم مصاريف ولا إيجار تاني.. طول ما أنا عايش، حسابك الشهري هيوصلك لحد باب بيتك، مش عشان حاجة.. عشان أنا رأفت اللي أبوكي وأمك ربوه على الأصول، وعشان بنتي الدكتورة تيفضل راسها مرفوعة ومفيش حد من ډمها بيتهان.
نزلت شيماء وهي بتدعي لي وتبكي، وأنا دورت العربية ورجعت لبيتي.
التاج الحقيقي
لما رجعت، لقيت هنا ومريم قاعدين مستنييني، ومعاهم سليم.. حفيدى الأول، ابن هنا، طفل عنده سنتين، عينيه بتلمع براءة وفرحة.
أول ما دخلت، هنا جابت لي الشاي وحضنتني، وقالت لي وهي بتضحك كنت فين يا بابا كل ده؟ مريم كانت قلقانة عليك.
قعدت وأخدت سليم الصغير في حضڼي، وبصيت لهنا ولمريم وقلت كنت بقفل آخر صفحة في كتاب قديم يا بنتي.. عشان نعيش اللي باقي من عمرنا في راحة ونور.
هنا فهمت من نظرة عيني أنا كنت فين.. ابتسمت ولفت ضفيرتها الطويلة الكستنائية ورا ضهرها، وقامت لفت دراعها حوالين رقبتي وقالت ربنا يخليك لينا يا تاج راسنا.
في اللحظة دي، وأنا بين مراتي اللي صانتني، وبنتي اللي رفعت راسي، وحفيدي اللي بيكبر في أمان، عرفت إن الحكاية خلصت بأجمل طريقة ممكنة. ربنا مش بس بيرجع الحقوق، ده بيداوي القلوب، وبيثبت للكل إن الأيام دول.. يوم لك ويوم عليك، والناجي الوحيد هو اللي بيمشي في الدنيا يتقي الله، ويحمي بيته، ويصون عرض عياله.
وانتهت الحكاية.. والضحكة اللي رجعت لوش هنا وهي عندها سبع سنين، فضلت منورة بيتنا لحد ما بقيت جد، وهتفضل منورة لأخر العمر.
بمرور السنين، حسينا إن البيت بقى مليان دفا جديد ملوش آخر، دفا الأحفاد اللي بيجروا حوالينا وصوت ضحكهم بيملى المكان. سليم ابن هنا كبر وبقى عنده خمس سنين، وبقت هنا حامل في بنوتة صغيرة.. طفلة كنا مستنيينها بفارغ الصبر عشان نجدد فيها اسم الأميرة اللي بدأنا بيه الحكاية.
وفي يوم جمعة، واللمة الجميلة في بيتنا، الباب خبط. قمت فتحت، ولقيت قدامي نادين ومريم، بنات شيماء، ومعاهم أولادهم الصغيرين. كانوا شايلين في إيديهم علبة حلويات، وعلى وشوشهم ابتسامة صافية مفيهاش أي كسوف من الماضي.
مريم بنت شيماء قربت مني وبست راسي وقالت كل سنة وأنت طيب يا خالو.. جينا نبارك لهنا عشان عيادتها الجديدة، وكمان عشان نطمن على طنط مريم.
دخلوا، والصالة اتملت بالعيال والصوت العالي. هنا أول ما شافتهم جريت عليهم وحضنتهم، وبقوا يتسامروا ويضحكوا كأن مفيش أي حاجة حصلت زمان. وأنا واقف بعيد ببص عليهم، لقيت مريم مراتي بتبتسم لي وبتقول شُفت يا رأفت؟ الزرعة النظيفة بتطلع طرح نظيف.. أنت قطعت الغل من جذوره يوم ما وقفت لشيماء، والنهاردة ولادها عايشين في خيرك وبيحبوا بنتك بجد.
اللحظة اللي اتمحى فيها كل الۏجع
بعد كام شهر، هنا ولدت بالسلامة، وجابت بنت زي القمر، سمّتها مريم على اسم أمها.
يوم السبوع، البيت كان مليان ناس وفرحة وأغاني. وفي وسط الزحمة، لقيت نادين ومريم داخلين وشايلين معاهم هدية من أمهم شيماء. كانت علبة قطيفة حمراء شكلها قيم جداً.
هنا فتحت العبة، ولقينا جواها توكة شعر دهب على شكل تاج صغير للأميرات،
ومعاها رسالة صغيرة مكتوبة
بخط إيد شيماء المرتعش
إلى الأميرة الصغيرة مريم بنت الدكتورة هنا.. التاج ده عشان يفضل فوق راسك طول العمر، ومحدش يقدر يلمسه. سامحيني يا هنا.. ومبارك المولودة يا بنت أخويا.
هنا بصت للرسالة وللتاج الدهب، وعينها دمعت. لفت وبصت لي وقالت أنا مسمحاها من زمان يا بابا.. ربنا يديها الصحة ويشفيها. في اللحظة دي بالذات، حسيت إن آخر ذرة تراب أو ۏجع من الماضي اتمحت وتبخرت في الهواء، وبقى مكانها صافي وزي الفل.
مسك الختام
النهاردة، وأنا قاعد في البلكونة بكتب السطور الأخيرة دي، الجو هادي والشمس بتغيب. مريم مراتي قاعدة جنبي بتدعي، وهنا في الصالة بتسرح شعر بنتها الصغيرة مريم وتعملها تسريحة الأميرات اللي عاشت معاها من وهي طفلة.
أنا رأفت، عندي دلوقتي فوق الخمسة وخمسين سنة، وبصتي للدكتور هنا وهي ناجحة وأم، ومراتي وهي معززة مكرمة، بتخليني أقول الحمد لله بملء قلبي.
الدنيا دي مشوار طويل، ساعات بتقابل فيه قسۏة وظلم من أقرب الناس ليك، بس الشاطر هو اللي يعرف يحمي بيته وعياله من غير ما يخسر أصوله وتربيته. أنا مرجعتش الشقة لشيماء، ومسمحتلهاش ترجع تتدخل في حياتنا، بس مسيبتش بناتها يجوعوا، وصنت أمانة أبويا وأم الله يرحمهم.
حق بنتي رجع، وشعرها اللي اترمى على الأرض زمان بقى النهاردة تيجان وفخر وعيادة بتعالج مئات الأطفال.
الحكاية قفلت كتابها بالعدل، والرحمة، والرضا.. وسبحان من يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وهو على كل شيء قدير. تمت الحكاية، وعشنا وشفنا أولادنا في أعلى مكان، والحمد لله رب العالمين.