حلقوا شعري حكايات صافي هاني


من دفتر الأيام
النهاردة وأنا بقفل الحكاية دي، وأنا راجل عديت الخمسين سنة، بقعد في بلكونتي وببص لبعيد.
بنتي هنا اتجوزت دكتور زميلها، إنسان محترم بيتقي الله فيها، وعرف قيمتها من أول يوم. ويوم فرحها، لما جه يمسك إيدها عشان يخرجوا، بص في عيني وقال لي أنا عارف إني واخد أميرة.. وعارف إن وراها أسد، ومستحيل أزعلها يوم.
شيماء عايشة في حالها، علاقتنا مِشيت في خط السلام عليكم 
وعليكم السلام في الأعياد والمناسبات من غير عتاب أو دخول في تفاصيل، وبناتها بقوا بييجوا يزوروا هنا ومريم من وقت للتاني، والكل اتعلم الدرس.. إن الغل بياكل صاحبه، وإن الأڈى دَين لازم يترد في الدنيا قبل الآخرة.
أنا رأفت.. عشت حياتي مقتنع بكلمة واحدة، وبقولها لكل أب وكل راجل
الډم مش مية.. صح، بس صلة الرحم مش معناها إنك تسيب ناس من دمك يهدوا بيتك ويكسروا عيالك. احمِ بيتك، صون أمانتك، واعرف إن ضحكة بنتك بالدنيا وما فيها.. والراجل اللي بيقف جنب بنته في ضعفها، ربنا بيخليه يشوفها ملكة في قمة نجاحها.
والحمد لله، ربنا كفاني، وأعطاني، وحفظ لي أميرتي الغالية.
بعد ما هنا اتجوزت واستقرت في بيتها الجديد، وبقت عيادتها في الشقة القديمة أشهر عيادة أطفال في المنطقة، افتكرت إن الحكاية قفلت أبوابها خلاص، وإن الأيام هتمشي هادية لحد ما العمر ينتهي.
بس الدنيا دايماً عندها فصل أخير بتأكد بيه إن الدايرة لازم تقفل بالملي.
في الشتا اللي فات، مريم مراتي تعبت شوية وجالها دور برد شديد رقدها في السرير. كنت نازل أشتري لها طلبات وشوربة دافية من مطعم قريب، والجو كان مطر وساقعة جداً. وأنا ماشي بالعربية، لمحت على الرصيف ست عجوزة، لامة نفسها في شال قديم، وماسكة في إيدها أكياس خياطة وقماش، وبتحاول تمشي خطوتين وتقف من التعب.
وقفت العربية وبصيت من الشباك.. كانت شيماء.
الزمن مسبش فيها حتة سليمة، شعرها اللي كان دايماً متسرح ومصبوغ بقى كله أبيض وهش، وضهرها انحنى، وإيدها اليمين المضړوبة كانت مخبياها جوه الشال كأنها بتداري عجزها عن الدنيا.
نزلت من العربية ورحت وقفت قدامها. لما شافتني، اتخضت وحاولت تدير وشها وتمشي، بس رجلها خانتها وكانت هتقع، فمسكتها من كتفها.
شيماء.. رايحة فين في المطر ده؟
بصت في الأرض وصوتها كان بيرتعش من الساقعة والكسوف روحت لتلميذة عندي كنت بصلح لها فستان.. والوقت سرقني والمواصلات واقفة عشان المطر.
أنا مكنتش قادر أنسى القديم، بس في اللحظة دي، وأنا شايف أختياللي من دميبالمنظر ده في الشارع، والناس بتجري حوالينا، حسيت إن الحساب اتصفى تماماً، وإن ربنا أخد حق بنتي تالت ومتلت لحد ما شبعت عيني من عدل ربنا، والشماتة في الموقف ده مش من طبعي ولا من أصولي.
فتحت لها باب العربية وقلت لها بحسم اركبي يا شيماء.. أنا هأوصلك.
مواجهة في الطريق
طول الطريق مفيش حد فينا اتكلم. صوت مساحات العربية والمطر برة كان هو الأعلى. كانت قاعدة جنب الكرسي وبتبص من الشباك والدموع نازلة على وشها من غير صوت.
قبل ما نوصل بيتها الصغير بملف، لفتت ليا وقالت بنبرة مکسورة
عارف يا رأفت.. نادين ومريم بناتي اتجوزوا هما كمان.. ناس طيبين على قد حالهم. وكل ما واحدة فيهم تيجي تولد أو تتعب، بتروح ل الدكتورة هنا عيادتها. هنا عمرها ما أخدت منهم مليم، وكل مرة كانت تبوس راسهم وتقول لهم إحنا أهل. بنتك طلعت أحسن مني يا رأفت.. وأنت طلعت سيد الرجالة.
مسحت دموعها بكاممل إيدها الشمال وكملت
أنا كل يوم ببص لإيدي دي وأفتكر المكنة