حلقوا شعري حكايات صافي هاني


أخاف.
في اللحظة دي، دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فخر. أخدتها في حضڼي وأنا مش مصدق إن الطفلة المکسورة بتاعت زمان بقت بالجمال والقوة والنبل ده.
بعد مرور السنين
النهاردة، هنا عروسة زي القمر، بتتخرج من كلية الطب. واقفة في حفلة تخرجها وسط زمايلها، لابسة الروب الأسود وقبعة التخرج فوق شعرها اللي متصفف زي الأميرات.
وأنا واقف بعيد، شعري غزا فيه الشيب، وضهري ما بقاش مفرود زي زمان، بس عيني مليانة فرحة تملى الكون. هنا سابت الصحافة والدكاترة وجريت عليا وسط القاعة، رمت قبعة التخرج في الهوا، وارتمت في حضڼي وهي بټعيط وبتقول بأعلى صوتها قدام الكل
أنا نجحت وبقيت دكتورة يا بابا.. نجحت عشان أنت كنت السند، وعشان عمري ما نسيت إنك حميتني ورفعت راسي لما الدنيا كلها جت عليا.
بصيت ل مريم اللي كانت واقفة جنبي پتبكي من الفرحة، وبصيت ل هنا، وعرفت إن الأصول والخير عمرهم ما بيضيعوا. وإن الراجل اللي بيصون بيته وبنته، ربنا بيجازيه في النهاية بأجمل فرحة ممكن يشوفها في حياته.
وقفتنا يومها، ورفضنا للظلم، مكنش مجرد اڼتقام.. كان درس علمنا وعلم بنتنا إن الحق لازم يرجع، وإن الأميرة الحقيقية مش اللي عندها شعر طويل، الأميرة هي اللي وراها أب بيهز الدنيا عشان خاطر ضحكتها.
وبينما كانت قاعة التخرج تضج بالتصفيق، وأنا حاضن الدكتورة هنا، لمحت من بعيد حركة عند باب القاعة الأخير.
كانت واقفة هناك.. ست باين عليها علامات الزمن والشقاء، سانده إيدها اليمين اللي باين عليها أثر ضمور قديم، وجنبها بنتين شابات زي الورد، لابسين لبس بسيط بس محتشم ومنظم.
دي كانت شيماء.. ونادين ومريم.
عرفت بعدين من مريم مراتي إن نادين ومريم، بنات أختي، هما اللي صمموا يجوا يباركوا لهنا، وشيماء مقدرتش ترفض لهم طلب. وقفوا بعيد، مكسورين، عيونهم مليانة نظرة ندم وفخر في نفس الوقت.. ندم على الماضي، وفخر بابن خالهم اللي رغم كل شيء، مسابهمش يضيعوا، وفضل يبعت مصاريفهم لحد ما اتخرجوا هما كمان من معاهد وكليات على قدهم.
هنا لفتت انتباهي وبصت في نفس الاتجاه. قلبي دق، وخفت للحظة تكون لسه شايلة جواها ذرة خوف أو ۏجع. بس هنا فاجأتني.. ابتسمت ابتسامة هادية، مفيهاش أي شماتة، ولا فيها أي ضعف. ابتسامة إنسانة اتعافت تماماً، وبقت أكبر وأعلى من إنها تشيل غل في قلبها.
شاورت لهم بإيدها من بعيد، ونادين ومريم ردوا لها الإشارة بدموع وفرحة، وشيماء وطت راسها في الأرض.. وكأنها بتشكرها إنها مقلبتش الفرح لعزا.
العودة إلى البيت القديم
بعد الحفلة بأيام، وبعد ما دوشة التهنئة هديت، لقيت نفسي واخد العربية وماشي في الشوارع اللي كبرنا فيها. رحت للمنطقة اللي فيها الشقة التمليك بتاعتي.. الشقة اللي كانت سبب في نقطة التحول دي كلها.
المشتري القديم كان باعها من كام سنة، وبالمصادفة، كانت معروضة للبيع تاني.
أنا ربنا كان كرمني ووسّع رزقي في الشغل، والوديعة اللي شيلتها لهنا كبرت. اتصلت بالسمسار، وبنفس الورقة والقلم، اشتريت الشقة دي تاني باسم هنا رأفت.
ولما رجعت البيت، حطيت عقد الشقة ومفتاحها في إيد هنا.
إيه ده يا بابا؟ سألتني باستغراب.
قلت لها
دي الشقة اللي اتكسرتِ فيها وأنتِ عندك سبع سنين.. النهاردة الشقة دي بقت ملكك، عيادتك المستقبلية إن شاء الله هتتفتح هنا. المكان اللي شهد كسرتِك، هو نفسه المكان اللي هيشهد على شفاكي للناس ونجاحك.
هنا عينها دمعت وحضنت العقد والمفتاح، وقالت لي أنا مش عارفة من غيرك كنت هبقى إيه يا بابا.. أنت مش بس سند، أنت
بطل حياتي.
كلمة أخيرة