ابني الصغير حكايات زهره


أشرت إلى المبنى كله.
كل ده نتيجة ناس كتير عملت خير في أوقات مختلفة.
في تلك الليلة، وبعد أن غادر الجميع، دخلت القاعة الرئيسية وحدي.
كان المكان هادئًا بشكل جميل.
سرت بين الأرفف للمرة الأخيرة تقريبًا كما لو كنت أراجع رحلة عمر كاملة.
مررت على الصور القديمة.
وعلى دفاتر الذكريات.
وعلى الرسائل.
ثم توقفت أمام الصندوق الزجاجي الذي يحتفظ بالورقة الأولى.
الورقة التي بدأت منها الحكاية.
ابتسمت وأنا أتأملها.
لم تعد مجرد قطعة ورق.
بل أصبحت رمزًا لمعنى أكبر بكثير.
معنى أن الخير الصغير قد يصنع مستقبلًا كاملًا.
في الأيام التالية، قرر يونس أن يضيف قسمًا جديدًا للمركز.
قسم يحمل اسم أثر طيب.
كانت فكرته بسيطة.
أي شخص يزور المكان يكتب موقفًا جميلًا أو درسًا تعلمه في حياته ويتركه في صندوق مخصص لذلك.
وخلال أشهر قليلة امتلأ الصندوق بآلاف الأوراق.
بعضها قصير جدًا.
وبعضها طويل.
لكن كلها كانت تحكي عن لحظات إنسانية جميلة.
جلس يونس ذات يوم يقرأ بعضها بصوت مرتفع.
وكان من بينها رسالة كتبتها سيدة مسنة.
قالت فيها
من سنين طويلة ساعدني شخص غريب في موقف بسيط. لا أعرف اسمه ولا يعرف اسمي. لكن ذلك الموقف جعلني أؤمن أن الدنيا ما زال فيها خير.
عندما سمعنا الكلمات، تبادلنا النظرات.
لأنها ذكرتنا ببداية الحكاية كلها.
مرت الأعوام.
وكبر المركز أكثر.
وأصبح يديره جيل جديد من الشباب الذين تربوا داخله.
أما يونس، فقد صار قدوة للكثيرين.
كان دائم التذكير بفكرة واحدة
لا تستهينوا بأي معروف مهما بدا صغيرًا.
وفي احتفال كبير أقيم بمناسبة مرور سنوات طويلة على تأسيس المركز، اجتمع المئات من الناس.
طلاب.
معلمون.
أسر كاملة.
وأشخاص جاءوا من أماكن بعيدة.
وقف يونس على المسرح وألقى كلمة قصيرة.
لم يتحدث عن الإنجازات.
ولم يتحدث عن الأرقام.
بل قال جملة واحدة فقط
كل ما ترونه هنا بدأ بلحظة رحمة بسيطة.
ثم أشار إلى الصندوق الزجاجي.
وساد الصمت للحظات.
كان الجميع ينظر إلى الورقة القديمة.
ورغم أن معظمهم لا يعرف تفاصيل القصة كاملة، إلا أنهم فهموا معناها.
فالقيمة الحقيقية لم تكن في الورقة.
ولا في الرسالة.
ولا حتى في المبنى.
القيمة الحقيقية كانت في الفكرة التي انتقلت من قلب إلى قلب.
وفي آخر ذلك اليوم، وبينما كانت الأنوار تُطفأ تدريجيًا، وقفت أمام المركز أتأمل المكان.
تذكرت الطريق الطويل.
تذكرت خۏفي على يونس وهو طفل صغير.
وتذكرت الأتوبيس.
وتذكرت السيدة الغامضة.
وتذكرت الرسالة الأولى.
ثم نظرت إلى الواقع الذي أمامي.
ضحكات الأطفال.
رفوف الكتب.
الوجوه المبتسمة.
القصص التي لا تنتهي.
عندها أدركت أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان وراءه ليس مالًا ولا شهرة.
بل أثرًا طيبًا يبقى بعده.
أثرًا يجعل حياة الآخرين أفضل ولو قليلًا.
ومع غروب الشمس في ذلك المساء، شعرت براحة عميقة لم أشعر بها من قبل.
راحة إن الرحلة أدت معناها.
وأن الخير الذي بدأ بخطوة صغيرة استمر في النمو عامًا بعد عام.
وهكذا انتهت الحكاية أخيرًا...
حكاية أب وابنه.
وحكاية رسالة مخبأة.
وحكاية ذكرى جميلة بقيت حية.
لكن الأهم من كل ذلك، أنها كانت حكاية تثبت أن الكلمة الطيبة، والنية الصادقة، والعمل الصالح، قد يغيرون حياة كاملة دون أن يشعر صاحبهم بذلك.
ولهذا السبب ظل الجميع يرددون العبارة المكتوبة عند مدخل المركز
ازرع خيرًا ولو كان صغيرًا... فقد يصبح يومًا سببًا في نور لا ينطفئ.