ابني الصغير حكايات زهره


ما جاء بعدها كان امتدادًا لذلك الخير الصغير الذي تحوّل مع الزمن إلى حياة كاملة مليئة بالمعاني الجميلة.
وهكذا استمرت الأيام.
يكبر المكان.
وتكبر الذكريات.
وتتسع دائرة الخير.
ويظل الإطار الصغير معلقًا فوق المكتبة كما كان دائمًا.
ورقة قديمة بخط باهت.
لكنها تذكر كل من يراها بأن بعض اللحظات العابرة قد تغيّر عمرًا كاملًا، وأن باب الخير الذي يُفتح بإخلاص قد يظل مفتوحًا سنوات طويلة، ينير الطريق لكل من يمر منه، ويترك وراءه حكايات لا تنتهي.
مرت أعوام طويلة بعد افتتاح المكتبة، حتى أصبحت جزءًا من روح الحي نفسه. الأطفال الذين كانوا يأتون إليها ممسكين بيد آبائهم صاروا شبابًا يأتون بأطفالهم الصغار. والكتب التي بدأت بعشرات النسخ أصبحت آلاف الكتب. أما دفتر الذكريات الكبير، فقد امتلأ بالكامل، ثم امتلأ الذي بعده، ثم الذي بعده. وفي كل مرة كنا نعتقد أن القصص انتهت، كانت الحياة تفاجئنا بقصص جديدة أجمل من السابقة.
أما أنا، فقد بدأت أشعر بثقل السنوات على كتفي. شعري الذي كان أسود صار أبيض بالكامل، وخطواتي أصبحت أبطأ مما كانت عليه. لكن كلما نظرت إلى يونس، كنت أشعر براحة كبيرة. لم يعد ذلك الطفل الصغير الذي كنت أحمله على كتفي داخل الأتوبيس وهو مريض. صار رجلًا ناضجًا، صاحب كلمة طيبة وقلب واسع، يعرف قيمة الناس ويعرف قيمة المعروف.
وفي أحد الأيام، جاءني وقال
يا أبي، عندي مفاجأة.
ابتسمت وقلت
لسه عندك مفاجآت بعد العمر ده كله؟
ضحك وقال
دي أكبر مفاجأة.
أخذني إلى مبنى جديد في طرف الحي.
كان مبنى جميلًا وواسعًا لم أره من قبل.
فوجئت بلافتة كبيرة معلقة على المدخل.
اقتربت ببطء.
وعندما قرأت الاسم، توقفت مكاني.
كان مكتوبًا
مركز فاتن الثقافي للتعليم والقراءة.
شعرت أن الكلمات اختفت من حولي.
نظرت إلى يونس.
وجدته يبتسم فقط.
قال
أمي كانت بتحب العلم والكتب. وأنت علمتني إن الذكرى الحقيقية مش صورة على الحيط ولا اسم مكتوب على ورقة. الذكرى الحقيقية هي حاجة تنفع الناس. علشان كده جمعت تبرعات، واشتغلت سنين، ومع ناس كتير قدرنا نعمل المكان ده.
لم أستطع الرد.
ظللت أنظر إلى الاسم طويلًا.
فاتن.
بعد كل هذه السنوات، ما زال اسمها يصنع أثرًا جديدًا.
دخلنا المبنى.
كانت فيه قاعات للقراءة.
وقاعات لتعليم الأطفال.
وأماكن مخصصة للأنشطة الثقافية.
وركن كامل للقصص والذكريات.
وفي منتصف القاعة الرئيسية كان هناك صندوق زجاجي صغير.
اقتربت منه.
وجدت بداخله الورقة القديمة.
نفس الورقة.
الورقة التي أعطتها لي السيدة الغامضة في الأتوبيس.
نظرت إلى يونس باستغراب.
قال
دي لازم الناس تشوفها.
سألته
ليه؟
قال
علشان يعرفوا إن حياتنا كلها اتغيرت بسبب موقف صغير.
مرت السنوات التالية بسرعة أكبر مما توقعت.
كبر المركز.
وأصبح معروفًا في مناطق كثيرة.
وصار الناس يأتون إليه من أماكن بعيدة.
ليس فقط من أجل الكتب.
بل من أجل الحكايات.
من أجل الأمل.
من أجل الشعور بأن الخير ما زال موجودًا.
وفي إحدى الأمسيات، بينما كنت أجلس في مكتبي الصغير داخل المركز، دخلت فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات.
كانت تحمل ورقة مطوية.
اقتربت بخجل وقالت
حضرتك الأستاذ كريم؟
ابتسمت وقلت
أيوه.
مدت يدها بالورقة وقالت
دي لحضرتك.
أخذت الورقة.
فتحتها.
وجدت بداخلها كلمات بسيطة جدًا.
كانت تقول
أنا كنت بكره القراءة. لكن لما جيت هنا حبيت الكتب. ولما كبرت هبقى معلمة علشان أساعد أطفال تانيين. شكرًا.
وقفت أنظر إلى الورقة طويلًا.
ثم ابتسمت.
لأنني تذكرت شيئًا فورًا.
تذكرت نفسي وأنا أفتح الورقة الأولى في العيادة قبل سنوات طويلة.
ورقة صغيرة.
وكلمات قليلة.
لكن أثرها كان هائلًا.
في تلك اللحظة أدركت أن الحكاية تعيد نفسها بطريقة مختلفة.
كل كلمة طيبة تزرع بذرة.
وكل بذرة قد تصبح يومًا شجرة كبيرة.
وفي ليلة هادئة بعد ذلك بسنوات، كنت جالسًا وحدي داخل المركز بعد انصراف الجميع.
تجولت بين الأرفف ببطء.
مررت على الصور.
وعلى الرسائل.
وعلى دفاتر الذكريات.
وعلى الصندوق الزجاجي الذي يحفظ الورقة القديمة.
ثم جلست أمامه.
لأول