ابني الصغير حكايات زهره

تخص والدته.
تعجبت وسألته من أين جاء بها.
فقال إنه أثناء ترتيب بعض الأغراض في مخزن البيت القديم الذي كانت تعيش فيه إحدى قريبات والدته، عثر على حقيبة صغيرة محفوظة بعناية، وبداخلها هذه الأشياء.
جلسنا ساعات طويلة نقلب محتويات الحقيبة.
وجدنا صورًا لم نرها من قبل.
وجدنا قصاصات ورق كتبت عليها أحلام بسيطة كانت تتمناها.
وجدنا قائمة بأماكن كانت ترغب في زيارتها يومًا ما.
وجدنا ملاحظات صغيرة عن كتب أحبتها.
وجدنا وصفات طعام كتبت بجوارها تعليقات مضحكة.
لكن أكثر ما شد انتباهنا كان دفترًا بني اللون يختلف عن بقية الدفاتر.
كان عنوانه مكتوبًا بخط واضح
أشياء جميلة أتمنى أن تستمر.
فتحناه بحذر.
كل صفحة كانت تتحدث عن قيمة معينة.
صفحة عن الصدق.
وصفحة عن الرحمة.
وصفحة عن الامتنان.
وصفحة عن الصبر.
وصفحة كاملة عن المعروف الذي يقدمه الإنسان دون انتظار مقابل.
وفي نهاية الصفحة الأخيرة وجدت جملة جعلتني أصمت طويلًا
أجمل الهدايا ليست الأشياء التي نمتلكها، بل الأثر الذي نتركه في قلوب الآخرين.
أعاد يونس قراءة الجملة أكثر من مرة.
ثم قال
دي الجملة اللي غيرت كل حاجة.
سألته
إزاي؟
قال
لأنها تفسر كل اللي حصل من يوم الورقة الأولى.
ظللت أفكر في كلامه.
ربما كان محقًا.
فلو لم أساعد تلك السيدة في الأتوبيس، لما وصلتني الورقة.
ولو لم أصل للرسالة، لما وجدت الدفتر.
ولو لم أجد الدفتر، لما عرفت كل هذه الذكريات.
وكأن سلسلة كاملة من الأحداث بدأت بسبب تصرف بسيط جدًا.
بعد عدة أشهر، اقترح يونس فكرة جديدة.
قال إنه يريد إنشاء مكتبة صغيرة مجانية في الحي.
مكان يستطيع أي شخص أن يأخذ منه كتابًا ويعيده بعد الانتهاء منه.
لم تكن الفكرة تحتاج أموالًا كثيرة، لكنها كانت تحتاج جهدًا وتنظيمًا.
بدأنا العمل معًا.
جمعنا الكتب القديمة.
رتبنا الأرفف.
نظفنا المكان.
وضعنا طاولة صغيرة وبعض الكراسي.
في البداية توقعنا أن يأتي عدد قليل من الناس.
لكن ما حدث فاق توقعاتنا.
خلال أسابيع قليلة أصبحت المكتبة مقصدًا للكثيرين.
طلاب المدارس.
الشباب.
كبار السن.
محبو القراءة.
حتى بعض الأطفال الذين لم يكونوا يحبون الكتب في البداية صاروا ينتظرون موعد فتح المكتبة.
وكان أجمل ما في الأمر أن الجميع بدأ يشارك.
كل شخص يضيف كتابًا أو فكرة أو مساعدة.
المكان كبر شيئًا فشيئًا.
وأصبح له أثر جميل في المنطقة كلها.
وفي أحد الأيام دخل رجل مسن إلى المكتبة.
تجول بين الأرفف بهدوء.
ثم توقف أمام صورة قديمة كانت معلقة على الحائط لوالدة يونس.
ظل ينظر إليها طويلاً.
اقتربنا منه.
سألناه إن كان يعرفها.
ابتسم وقال
زمان جدًا كانت ساعدتني في موقف عمري ما نسيته.
ثم حكى لنا قصة بسيطة حدثت قبل سنوات طويلة.
قصة عن كلمة تشجيع قالتها له في وقت كان يحتاج فيه إلى من يرفع معنوياته.
كانت قصة صغيرة جدًا.
لكن الرجل ظل يتذكرها كل تلك السنوات.
بعد أن غادر، جلس يونس صامتًا.
ثم قال
غريب أوي.
قلت
إيه؟
قال
كل يوم أكتشف إن الإنسان ممكن يسيب أثر أكبر بكتير مما يتخيل.
ومنذ ذلك اليوم بدأ يونس يجمع الحكايات.
أي شخص يدخل المكتبة ويحمل ذكرى جميلة أو موقفًا مؤثرًا يكتبه في دفتر كبير خصصناه لهذا الغرض.
ومع مرور الوقت امتلأت صفحاته.
مئات القصص.
مئات الأسماء.
مئات المواقف الصغيرة.
بعضها لا يتجاوز عدة أسطر.
لكنها جميعًا كانت تؤكد نفس الحقيقة.
أن الطيبة لا تضيع.
وأن الكلمة الجميلة قد تبقى في الذاكرة سنوات طويلة.
وفي مساء هادئ من أمسيات الربيع، بينما كنا نجلس داخل المكتبة بعد إغلاقها، فتح يونس الدفتر الكبير وبدأ يقرأ بعض القصص بصوت مرتفع.
ضحكنا أحيانًا.
وتأثرنا أحيانًا أخرى.
ثم أغلق الدفتر وقال
تخيل لو كل الناس سجلوا أجمل المواقف اللي حصلت لهم.
ابتسمت وقلت
كان زمان عندنا مكتبة أكبر من أي مكتبة في الدنيا.
ضحك وقال
مكتبة من الذكريات.
نظرت حولي إلى الكتب والأرفف والرسائل والصور.
وفجأة أدركت شيئًا مهمًا.
أن الحكاية لم تنتهِ يوم وجدت الورقة تحت الكنبة.
بل بدأت يومها فقط.
لأن كل