ابني الصغير حكايات زهره


قديم.
فتحته.
لقيت صور عمري ما شفتها. صور لفاتن وهي طفلة. صور لأهلها. رسومات كانت بترسمها وهي صغيرة. شهادات تقدير. كراسات ذكريات. وأكتر حاجة أثرت فيا كانت عشرات الرسائل المكتوبة ليونس في مراحل عمرية مختلفة.
رسالة لسنة أولى مدرسة.
رسالة لأول نجاح.
رسالة لأول حلم يحققه.
رسالة ليوم تخرجه.
رسالة ليوم يبقى راجل مسؤول.
كأنها كانت عايزة تفضل موجودة معاه مهما مرت السنين.
رجعت البيت والصندوق معايا.
ومن يومها بدأت عادة جديدة.
كل أسبوع كنت أفتح رسالة من رسائل فاتن وأقراها.
وكان الغريب إن كل رسالة كانت مناسبة للحظة اللي عايشينها.
لما يونس بدأ يمشي لقيت رسالة عن أول خطوات الطفل.
لما بدأ يتكلم لقيت رسالة عن أول كلمة.
لما دخل المدرسة لقيت رسالة كاملة عن أهمية العلم والصبر.
مرت السنوات بسرعة.
ويونس كبر.
وبقى شاب محترم وهادئ وبيحب القراءة والرياضة.
وفي يوم من الأيام، وهو عنده سبعتاشر سنة، حكيتله لأول مرة حكاية الست الغريبة اللي ادتني الورقة.
سكت شوية وقال يمكن كانت مجرد ست طيبة.
ضحكت وقلت يمكن.
قال أو يمكن ربنا بعتها في الوقت الصح.
الكلمة دي فضلت ترن في ودني أيام طويلة.
لأني مهما حاولت ألاقي تفسير منطقي، عمر ما حد عرف مين الست دي.
رجعت محطة الأتوبيس أكتر من مرة.
سألت السواقين.
سألت أصحاب المحلات.
محدش عرف يوصفها.
محدش شافها.
كأنها ظهرت في اللحظة المناسبة واختفت بعدها للأبد.
لكن الحقيقة اللي اتأكدت منها مع مرور السنين إن السر الحقيقي مكانش في الكنبة.
السر الحقيقي كان في الرسائل.
في الذكريات.
في الكلمات اللي بتفضل عايشة بعد أصحابها.
وفي المعاني الجميلة اللي ممكن تغير حياة إنسان بالكامل.
وبعد عشرين سنة تقريبًا، كنت قاعد في نفس الصالة، على نفس الكنبة القديمة، ويونس بقى شاب ناجح بيشتغل وبيحقق أحلامه واحدة ورا التانية. دخل عليا بابتسامة واسعة ومد إيده بورقة مطوية.
سألته إيه دي؟
قال افتحها.
فتحتها.
لقيت مكتوب بخطه
يا أبي... طول عمري كنت فاكر إنك أنت اللي ربيتني لوحدك. لكن بعد ما قريت رسائل أمي كلها فهمت الحقيقة. أنتم الاتنين ربيتوني مع بعض. واحدة بكلماتها... وواحد بصبره وتعبه ومحبته. شكرًا لأنك كنت السند، وشكرًا لأنك حافظت على الذكريات لحد ما وصلتلي.
وقتها رفعت عيني للسقف وابتسمت.
ولأول مرة من سنين طويلة جدًا، حسيت براحة كاملة.
راحة إن الرحلة الصعبة عدت.
وإن الطفل اللي كنت شايله يومها وهو سخن ومتعب في الأتوبيس، بقى راجل يملأ القلب فخرًا.
أما الورقة الأولى... الورقة اللي بدأت الحكاية كلها... فما زالت محفوظة داخل إطار صغير فوق مكتبتي.
كل ما أبص لها أفتكر إن عمل خير صغير جدًا، زي دفع أجرة إنسان محتاج، ممكن يفتح بابًا من الخير والذكريات والأمل ما كنتش أتخيل وجوده أبدًا.
مرت سنوات أخرى، وبقيت الورقة القديمة جزءًا من حكايتنا اليومية. كل زائر يدخل البيت كان يلاحظ الإطار الصغير المعلق فوق المكتبة ويسأل عنه، فأكتفي بابتسامة هادئة وأقول إنها ذكرى غالية. لم أكن أحكي القصة كاملة لأحد، لأن بعض الحكايات تفقد شيئًا من سحرها عندما تتكرر كثيرًا.
كان يونس قد بلغ العشرين من عمره، وأصبح شابًا يعتمد عليه الجميع. أكثر ما كان يميزه أنه لم يكن ينسى الناس الذين وقفوا بجانبه ولو بكلمة طيبة. ربما لأن الرسائل التي تركتها له أمه غرست بداخله هذا المعنى منذ صغره. كان دائم التطوع في الأنشطة الخيرية، ويساعد كبار السن في الحي، ويخصص جزءًا من وقته لتعليم الأطفال القراءة مجانًا في مركز ثقافي قريب من بيتنا.
وفي إحدى الأمسيات الشتوية، عاد إلى المنزل وهو يحمل صندوقًا كرتونيًا كبيرًا.
سألته
إيه اللي جايبه ده كله؟
ابتسم وقال
حاجة هتعجبك.
فتح الصندوق أمامي، فإذا به مليء بالدفاتر القديمة والصور والرسائل التي كانت