غلطة العمر كاملة بقلم مني السيد


قلت له دول تلاتة.
وفهمت حاجة مكنتش عارفاها زمان الدنيا مش دايماً بتدافع عنك بعدل نضيف وهادي.. ساعات بتدافع عنك بالمبالغة. بتديكي تلات أضعاف اللي كنتِ فاكرة إنك قادرة تشيليه، عشان تجبرك تكتشفي إن الراجل اللي قال عليكي خاېنة مكنش مستحمل فكرة طفل واحد.. وإنتِ شيلتِ تلاتة لوحدك ووقفتِ على رجليكي.
وده اللي وجعه في الآخر أكتر حاجة.. مش بس إنه عرف إنهم ولاده.. إنه عرف إن في الوقت اللي هو مشي فيه وهرب، أنا بقيت أقوى بكتير ملي كان يتخيل في يوم من الأيام.
الدكتورة مشّت جهاز السونار بالراحة على بطني، وعلى الشاشة، وسط الظلال الرمادية والوميض الأبيض، ظهرت الملحمة.. مش شكل ولا اتنين.. دول تلاتة! تلات أشكال صغيرة قريبة جداً من بعض. تلات نبضات سريعة مكنتش بعرف أقرأهم بس الدكتورة كانت باصة ومذهولة.
أمي فغصت على إيدي وهمست وعينيها مليانة دموع يا حنان يا منان.. يا رب يا رحيم بحالنا..
الدكتورة رفعت عينيها وبصتلي، بس المرة دي بابتسامة صدمة على ذهول مش طفل واحد يا آية.. ولا حتى اتنين.. إنتِ حامل في توأم ثلاثي.. تلاتة يا فندم!
الهوا رجع لرئتي فجأة دفعة واحدة، واڼفجرت في العياط. مش عياط حزن.. كان عياط صدمة، على راحة، على قهر، على غدر ووحدة. هو ده العياط اللي بتعيطه الست المکسورة لما الدنيا، بدل ما تخفف عنها الخبطة، تزرع جواها تلات قلوب بتنبض في الوقت اللي هي لسه بتتعلم فيه إزاي تشيل قلب واحد مكسور وتعيش بيه.
تلاتة؟ كررت الكلمة وكأنها مش راكبة في بقي ولا مستوعباها.
الدكتورة أكدتلي تلاتة يا آية.. ولحد دلوقتي التلاتة زي الفل ونبضهم تمام. هنتابعك بدقة شديدة لأن حمل التوأم الثلاثي بيحتاج راحة تامة وعين واعية، بس سبحان الله.. ربنا رزقك واسع.
أمي هي كمان انخرطت في العياط، حطت إيدها على بقها بتحاول تكتم صوتها عشان ما تخوفنيش، بس كان خلاص.. أنا كنت بعيط زيها بالظبط. إحنا الاتنين في ضوء العيادة الخاڤت، وعلى الشاشة في تلات حيوات بيتحركوا.. وكأنهم رد مبالغ فيه وعڼيف من القدر على كل حاجة خسرتها في لحظة.
الدكتورة قالت وهي بتعلي صوت الجهاز اسمعي كده.. سمعتهم.. تلات نبضات.. سراع جداً ومتداخلين.. ورا بعض وبعناد.. وكأنهم مش فارق معاهم الکاړثة والمصېبة اللي هيتولدوا فيها.
خرجت من العيادة وأنا حاضنة صورة السونار في صدري، وأمي سانداني من دراعي وكأنها خاېفة أقع على الرصيف. سألتني إنتِ كويسة يا بنتي؟ ضحكت وسط دموعي وقلت مش عارفة يا أمي. ودي كانت الحقيقة، مكنتش عارفة أنا كويسة ولا لأ، بس كنت عارفة حاجة واحدة.. إني مابقتش لوحدي. الخۏف جوايا تضاعف تلات مرات، صح، بس السبب اللي يخليني ما أقعش بقى تلات أضعاف هو كمان.
القرار الصعب
في العربية، قبل ما تدور المحرك، أمي أخدت الورقة من إيدي براحة وبصت فيها وعينيها دمعت سبحان الله العظيم.. تلاتة حتة واحدة! فضلت باصة للنقط المغبشة دول وقلت محمود مكنش مستحمل عيل واحد يا أمي.. تخيلي بقى لما يعرف إنهم تلاتة!
أمي التفتت ليا وسألتني بنبرة حازمة ناوية تقوليلو؟
سكتت.. لحد اللحظة دي مكنتش فكرت في الموضوع ده بجد. كنت بفكر إزاي أعدي اليوم، إزاي ما أرجعش، إزاي ما اتكسرش وأنا معدية من عند السوبر ماركت اللي شفته فيه مع نيرمين، وإزاي ما أردش على رسالته الحقېرة اللي بيقولي فيها شيلي شيلتك.
بس السؤال ده كان في حتة تانية خالص.. هل هقوله؟ هل الراجل ده يستحق يعرف؟ راجل رماني بالخېانة من قبل ما يسمعني، ولم هدومه وبرفيومه وراح عاش مع ست تانية وأنا لسه بوعى على الحمل؟ مكنتش عارفة.. حطيت السونار في الفايل وقلت مش النهاردة يا أمي.
الليلة دي النوم ما جاش.. الفايل كان على الكومودينو وإيدي على بطني. لسه مكنتش حاسة بحركتهم طبعاً، كام أسبوع بس وفي تلات حيوات بيطلبوا مكانهم في الدنيا. بس اتكلمت معاهم في الضلمة وبصوت واطي أنا مش عارفة هعمل كده إزاي.. بس هعمله عشانكم.
أمي من الناحية التانية من الأوضةلأنها نقلت حاجتها وعاشت معايا من غير ما تستأذن وكانت نايمة على سرير صغير جنب الشباكردت من غير ما تفتح عينيها مش هتعمليه لوحدك يا ضنايا، ربك شايلهم وشايلك. والكلمة دي غيرت حاجة جوة روحي.
الحقيقة تظهر عاړية
الأيام اللي بعد كده رتبت نفسها حوالين الحمل وكأن حياتي قررت إن مفيش وقت تقع فيه أكتر من كده. الوخم زاد، النوم زاد، الجوع والخۏف زادوا. الدكتورة أمرتني بالراحة التامة على السرير، وكتبتلي على مكملات وتحاليل ډم وطلبت مني أبعد عن أي ضغط عصبي كفاية الشيلة اللي شايلاها يا آية، دول تلاتة مش واحد. ضغط عصبي؟ كنت هضحك في وشها والله.
جارتي أم أحمد مكنتش بتبطل تجيب أخبار العمارة والشغل نيرمين نقلت هدومها شقة محمود خلاص.. محمود بيقول في المكتب إنك مشيتي في السكة الشمال.. ده بيقول كمان إنه هيطلقك أول ما المصېبة دي تتولد. المصېبة.. ده كان وصفه لأولاده!
مكنتش برد على مكالماته لأني أصلاً مكنتش بتصل بيه، بس رسائله كانت بتوصل، وكل مرة بتبقى أقذر وأقسى أوعي تفكري تحطي اسمي في شهادة الميلاد.. ما تتصليش بيا لأي سبب.. شيلي شيلتك. جبن متغطي في جمل قصيرة.
أمي كانت عايزاني أجرجره في المحاكم، أروح لمحامي، أبعت له نسخة من السونار وأكسر عينه وأذله.. بس أنا رفضت، مش نبل مني، لأ.. كنت مشغولة بإني ألملم نفسي وأحافظ على التلاتة اللي جوة بطني عشان ما يجرالهمش حاجة.
في يوم حر جداً، الضړبة غيرت اتجاهها. كنت قاعدة على السرير بطبق هدوم البيبي اللي أمي بدأت تشتريها من وراياكانت بتقول لو تلاتة مش هنلاحق نجيب لبس بعدين من المصاريفوفجأة جرس الباب رن. أمي راحت تفتح، وسمعت أصوات في الصالة.. صوت أمي جاف وحاد، وصوت ست تانية متوتر. خرجت براحة وأنا ساندة ضهري بإيدي.
كانت نيرمين!
واقفة بفستانها البيج، ونظارة شمس مغطية نص وشها، والوش البلاستيك اللي بتعمله الستات لما يجوا يعملوا فيها أصحاب حق ومبادئ وهم جايين بس يثبتوا ملكيتهم للراجل. أمي كانت واقفة قصادها ومربعة إيديها أنا قلتلك ملوكيش عيش هنا ومفيش كلام يتقال.
نيرمين شافتني طالعة فاتشَدت وقالت آية.. أنا كنت عايزة أتكلم معاكي.
رديت عليها في أنهي موضوع بالظبط؟ موضوع إنك قعدتِ في شقة جوزي؟ ولا موضوع إنك بتسمعيه وهو بيقول عليا خاېنة؟
اتلمست وقالت أنا مش جاية أتخانق.
أمي ردت والله إنتِ جاية متأخرة، لأن الخناقة والخړاب إنتوا اللي بدأتوا فيه. وأمي وسعت سنة صغيرة بس فضلت واقفة زي السد الحامي.
نيرمين بلعت ريقها وقالت محمود.. حكايته معقدة.
يا حرام.. صعبت عليا.
هو مش عارف يتصرف.
أنا بقى عارفة، وعشان كده أنا في بيتي.
الكلمة دي خلتها تبرطم وتقول ببعض الغرور اللي رجعلها بصي يا آية، أنا هكون دغري معاكي. هو متأكد إن العيل ده مش ابنه، وطول ما إنتِ متبتة في الكدبة دي، مش هتعرفي تبدأي حياتك
من جديد.
أمي ضحكت ضحكة ذهول وسخرية، وأنا بصيت لها بكل قرف أبدأ حياتي؟ ومستعجلة على إيه؟ على حياتك