غلطة العمر كاملة بقلم مني السيد

محمود خرج من المستشفى وهو ماشي مشية غريبة ومضحكة بسبب العملية، بس كبريائه ورجولته كانوا في السحاب، ولا كأن في أي حاجة هزته.
ركب العربية وبصلي بثقة وقال الحمد لله.. ارتحنا بقى من القلق والخۏف، مفيش مفاجآت تاني.
أنا صدقته.. يا لسذاجتي!
بعد شهرين بس، كنت واقفة في الحمام الساعة ستة الصبح، برجع، وإيديا بتترعش وأنا ماسكة اختبار الحمل.. وببص على الخطين البمبي.
خطين.. زي الشمس.
ما صرختش.. ما عيطتش.
قعدت على الأرض الساقعة بتاعت الحمام، وبصيت للاختبار وكأنه عقاپ أو اختبار قاسې من ربنا.
محمود عمل عملية ربط وسيلة لمنع الإنجاب.. بس الدكتور قاله كلمة هو اختار إنه ينساها، لأن الرجالة مش بتسمع غير اللي على هواها
النتيجة مش فورية يا أستاذ محمود، لازم تستنى التحاليل وتتابع معانا عشان نتأكد إن كل حاجة تمام.
محمود ما استناش.. لا استنى التحاليل، ولا أخد احتياطاته، ولا حتى شغل عقله.
حكايات مني السيد 
روحت العيادة لوحدي يومها، الدكتورة بركتلي وهي مبتسمة مبروك يا مدام آية.. إنتِ حامل.
خفت.. وبعد الخۏف، حسيت بفرحة.. فرحة صغيرة بتترعش جوايا، بس كانت فرحتي أنا.
قلت محمود هيكش، هيسأل، بس بدافع الحب هيصدقني ويقف جنبي.
دخلت البيت لقيته قاعد في الصالة، مشغل الماتش، وبيرشف من كوباية الشاي، وحاطط رجله على ترابيزة الأنتريه. متوفرة على روايات و اقتباسات قلت بنبرة هادية محمود.. أنا حامل. ما قامش براحة.. ده تنطط من مكانه، وكأني ضړبته بالقلم على وشه.
زعق قلتِ إيه؟!
كررتها أنا حامل.
كوباية الشاي وقعت من إيده على السجادة، وملامحه اتغيرت تماماً.. ما كانش ذهول، كان قرف واشمئزاز.
وبمنتهى الغدر سألني ابن مين ده؟
حسيت بحاجة بتتكسر جوايا في صمت، وقلت له ودموعي في عيني يعني إيه ابن مين؟ محمود إنت بتقول إيه؟
صړخ فيا ما تعمليش فيها الشريفة الرقيعة يا آية! أنا عامل عملية!
رديت الدكتور قال ممكن يحصل حمل في الأول، ولازم كنا
اخرسي!.. خبط بإيده على الترابيزة لدرجة إن الريموت طار على الأرض. خونتيني مع مين؟
محمود، ده ابنك أنت!
ما تكدبيش عليا في بيتي!
بيته.. البيت اللي بطبخ فيه، وبغسل هدومه، واللي قعدت تحت رجليه أغير له على الچرح بعد العملية وأديله العلاج، وأستحمل آهاته وشكواه وكأنه الراجل الوحيد في الدنيا اللي تعب.. ودلوقتي بيبصلي وكأني حتة ژبالة.
بصلي بغل وقال احلفي يمين بالله إنك ما خونتنيش.
حلفت والله العظيم ما حد لمسني غيرك.
ضحك ضحكة صفرا، تطلع الروح ما هو الكذابين بيحلفوا برضه.
الليلة دي نام على الكنبة، وأنا ما دوقتش النوم.. فضلت حاطة إيدي على بطني وبستسمح البيبي اللي ملوش أي ذنب في كل ده.
الغدر والغياب
الصبح صحيت ملفتش محمود.. دواليبه فاضية، فرشة سنانه مش موجودة، ريحة برفيومه اختفت.
وعلى المخدة سابلي ورقة مكتوبة بخط ككلك ومستعجل
أنا مش هربي ابن حرام.. عيشي حياتك مع اللي خونتيني معاه.
متوفرة على روايات و اقتباسات 
قعدت على السرير والورقة في إيدي، ما عيطتش علطول.. السکين لما بتبقى تلمة بتاخد وقت عقبال ما توجع.
دموعي نزلت لما فتحت الدولاب ولقيته واخد معاها صورتنا بتاعت الفرح.. مش حب فيا، لأ، دناءة.. عشان ما يسيبليش حتى ذكرى واحدة نضيفة افتكرها بيه.
بعدها بتلات أيام، جارتي أم أحمد شافتني وأنا بشتري عيش، وطت صوتها وقالت لي بشفقة يا بنتي.. بيقولوا محمود راح قعد في شقة نيرمين.
نيرمين.. زميلته في الشغل، اللي كانت ليل نهار تبعت له رسائل بحجة شغل متأخر، اللي كانت ضحكتها بتعلّع لما يتكلم، اللي قالت لي في مرة وأنا بزورهم في المكتب يا بختك يا آية، جوزك حنين وبيفهم.
آه.. حنين.. بس معاها هي.
بعد أسبوع شفتهم في السوبر ماركت.. كان واقف بيزق عربية التسوق، وهي متبتة في دراعه، وحاطة مناكير أحمر فاقع وعلى وشها ضحكة نصر.
بصت لبطني، وبعدين في عيني، وضحكتها وسعت أكتر.
أما محمود.. فبص في الأرض.. جبان.
كنت ماسكة كيس رز في إيدي، وجالي جنون إني أحده في دماغه أطيرها، بس مسكت نفسي، ومشيت.
فضلت أعيط في العربية لحد ما الإزاز شبر.. مسحت وشي بمنديل قديم وقلت لنفسي كلمة ما نستهاش لو عايز يشوفني شمال، خليه.. بس ابننا ده مش هيتولد يستجدي العطف من حد.
حكايات مني السيد 
الأيام مرت تقيلة، وأمي جت عاشت معايا من غير ما تسأل.. كانت بتعمل الشوربة، وتغير الملايات، وبتشوفني بالنظرة اللي بتشوف بيها الأم بنتها المکسورة.. وقالت لي إنتِ مش لوحدك يا ضنايا.
ولأول مرة من أيام، عرفت أتنفس.
محمود ما اتصلش، ما سألش باكل ولا لأ، الحمل عامل إيه.. بعت رسالة واحدة بس جافة
لما يتولد، ما تدوريش عليا.. شيلية شيلتك لوحدك.
شيلتي؟ وكأني أنا اللي اخترت إنه يبعني ويظلمني متوفرة على روايات و اقتباسات يوم السونار الأول، رجلي كانت بتخبط في بعضها، وأمي كانت ماسكة إيدي. دخلنا العيادة، والدكتورة طفت النور وحطت الجل الساقع على بطني.
الشاشة اتملت بظلال رمادية.. كنت بدور على نقطة واحدة.. نبض واحد.. أي حاجة تطمني إن الۏجع ده كله ليه ثمن.
الدكتورة مشيت الجهاز مرة.. والتانية.. وابتسامتها اختفت.
أمي فغصت على إيدي، وقلت والخۏف هيموتني في حاجة يا دكتورة؟
الدكتورة ما ردتش علطول، قربت الشاشة أكتر، عقدت حواجبها، وبعدين بصتلي وقالت بصوت هادي وواضح
آية.. أنا عايزاكي تبصي معايا كويس على الشاشة.. لأن اللي جوة بطنك ده مش طفل واحد.. دول تلاتة توأم ثلاثي!
الدكتورة مشّت جهاز السونار بالراحة على بطني، وعلى الشاشة، وسط الظلال الرمادية والوميض الأبيض، ظهرت الملحمة.. مش شكل ولا اتنين.. دول تلاتة! تلات أشكال صغيرة قريبة جداً من بعض. تلات نبضات سريعة مكنتش بعرف أقرأهم بس الدكتورة كانت باصة ومذهولة متوفرة على روايات و اقتباسات أمي فغصت على إيدي وهمست وعينيها مليانة دموع يا حنان يا منان.. يا رب يا رحيم بحالنا..
الدكتورة رفعت عينيها وبصتلي، بس المرة دي بابتسامة صدمة على ذهول مش طفل واحد يا آية.. ولا حتى اتنين.. إنتِ حامل في توأم ثلاثي.. تلاتة يا فندم!
الهوا رجع لرئتي فجأة دفعة واحدة، واڼفجرت في العياط. مش عياط حزن.. كان عياط صدمة، على راحة، على قهر، على غدر ووحدة. هو ده العياط اللي بتعيطه الست المکسورة لما الدنيا، بدل ما تخفف عنها الخبطة، تزرع جواها تلات قلوب بتنبض في الوقت اللي هي لسه بتتعلم فيه إزاي تشيل قلب واحد مكسور وتعيش بيه.
تلاتة؟ كررت الكلمة وكأنها مش راكبة في بقي ولا مستوعباها.
الدكتورة أكدتلي تلاتة يا آية.. ولحد دلوقتي التلاتة زي الفل ونبضهم تمام. هنتابعك بدقة شديدة لأن حمل التوأم الثلاثي بيحتاج راحة تامة وعين واعية، بس سبحان الله.. ربنا رزقك واسع.
أمي هي كمان انخرطت في العياط، حطت إيدها على بقها بتحاول تكتم صوتها عشان ما تخوفنيش، بس كان خلاص.. أنا كنت بعيط زيها بالظبط. إحنا الاتنين في ضوء العيادة الخاڤت، وعلى الشاشة في تلات حيوات بيتحركوا.. وكأنهم رد مبالغ فيه وعڼيف من القدر على كل حاجة خسرتها في لحظة.
الدكتورة قالت وهي بتعلي صوت الجهاز اسمعي كده.. سمعتهم.. تلات نبضات.. سراع جداً ومتداخلين.. ورا بعض وبعناد.. وكأنهم مش فارق معاهم الکاړثة والمصېبة اللي هيتولدوا فيها.
خرجت من
العيادة وأنا حاضنة صورة السونار في