عادَت أمُّه بعد 11 عامًا لتأخذ ملايينه… لكنها لم تكن تعلم أن طفل التوحّد الذي تركته كان يحتفظ بكل شيء بالصوت والصورة!


أتذكر أول يوم لي دونكِ. وأتذكر كل الأيام التي عشتها دونكِ.
بدأت ريم تهز رأسها.
كنت أريد العودة.
لم تعودي.
لم أستطع.
لم تريدي.
كان الأمر صعبًا!
كنت طفلًا.
انتزعت الجملة الهواء من البيت كله.
حتى المحاميان خفضا نظريهما.
لمس ياسر صدره بإصبعين، كما كان يفعل عندما يحاول تسمية شيء يؤلمه.
كنت صعبًا لكنني كنت طفلًا.
وضعت ريم يدها على فمها.
ربما سمعت أخيرًا ما رفضت سماعه طوال سنوات.
وربما أدركت فقط أن تمثيلها ينهار.
لا أعرف.
ولم يعد الأمر يهمني.
طلبت الأستاذة هبة الحديث مع ياسر. وافق بشرط أن أكون حاضرة، وأن لا يقاطعه أحد. جلسنا في المطبخ، حيث كانت رائحة الأرز الأبيض والقرفة تملأ المكان، لأنني كنت أضع القرفة دائمًا حين أشعر بالتوتر.
في الخارج، كانت ريم تتجادل بصوت منخفض مع محاميها.
سمعت كلمات متقطعة
دعوى.
مال.
الصورة أمام الناس.
تسوية.
لكن في المطبخ كان هناك شيء آخر.
كان هناك صدق.
سألت الأستاذة هبة ياسر بهدوء من يعتني به؟ من يحضّر طعامه؟ من يأخذه إلى الطبيب؟ من يعرف نوباته؟ من يحترم صمته؟
أجاب دون تزيين
أمينة.
سألته
هل تريد أن تعيش مع ريم؟
لا.
هل تريد أن تراها؟
تأخر ياسر في الرد.
نظر إلى يديه.
ثم نظر إلى كوب الطين الذي اشتريته من سوق قديم، الكوب الذي كان يحب أن يشرب فيه الحليب الدافئ أيام الأحد.
قال
ليس الآن.
لماذا؟
لأنها لم تأتِ لرؤيتي. جاءت من أجل المال.
كتبت الأستاذة هبة ملاحظتها.
وبكيت أنا دون صوت.
مدّ ياسر يده ولمس ذراعي.
لا بأس يا أمينة.
لكن كان هناك بأس.
كان هناك كل شيء.
كان هناك خوف حملته أحد عشر عامًا من أن أموت وأتركه بلا حماية.
وكان هناك كل مرة نظرت فيها إلى بيوت عمّان القديمة وتمنيت أن
أكون لياسر كالحجر فوق الحجر، ثابتة مهما عضّ الزمن أطرافي.
وفجأة اكتشفت أنه هو أيضًا كان يبني.
لم يكن يبني جدرانًا.
كان يبني أدلة.
وطرقًا.
ومخارج.
عندما عدنا إلى غرفة الجلوس، كانت ريم واقفة قرب الباب.
كان وجهها قاسيًا.
قالت
أنا مستعدة للوصول إلى اتفاق.
رفع الأستاذ سامر حاجبه.
أي اتفاق؟
قالت
أتنازل عن الحضانة إذا حصلت على تعويض. تعويض عن السنوات التي خسرتها كأم.
شعرت بالغثيان.
أغلقت الأستاذة هبة قلمها.
وأغلق محامي ريم عينيه.
حتى هو بدا متعبًا منها.
أمال ياسر رأسه.
كم ثمن أن تتركيني؟
لم تجب ريم.
قال
قولي. أحتاج إلى الرقم.
لم أقل الأمر بهذه الطريقة.
لكنك
فكرتِ به بهذه الطريقة.
فقدت ابنتي صبرها.
أنا من أعطيتك الحياة!
خلع ياسر سماعاته تمامًا.
وهذا أخافني أكثر من أي صړاخ.
قال
أمينة علّمتني كيف أعيشها.
رفعت ريم يدها.
لا أعرف إن كانت ستشير إليه، أو تسكته، أو ټضرب الطاولة.
لكنها لم تصل إلى شيء.
تقدمت الأستاذة هبة خطوة.
سيدة ريم، تم تدوين ذلك. أنصحكِ ألا تتابعي.
أمسكها محاميها من ذراعها.
لنذهب.
قالت
لا.
كرر
ريم، لنذهب.
نظرت إليّ بكراهية.
أنتِ جعلته ضدي.
وللمرة الأولى منذ أحد عشر عامًا، لم تؤلمني كلماتها.
قلت
لا يا ابنتي. أنتِ تركتِه بعيدًا عنكِ، وانتظرتِ أن يعيده المال إليكِ.
التوى وجهها.
ستندمين.
شغّل ياسر التلفاز مرة أخرى.
ظهرت كاميرا المراقبة عند المدخل.
كل ما حدث منذ وصول ريم كان مسجلًا.
بما في ذلك ټهديدها.
تنهد الأستاذ سامر.
سيدتي، أرجوكِ لا ټغرقي أكثر.
نظرت ريم إلى الشاشة.
ثم إلى