عادَت أمُّه بعد 11 عامًا لتأخذ ملايينه… لكنها لم تكن تعلم أن طفل التوحّد الذي تركته كان يحتفظ بكل شيء بالصوت والصورة!

انفتح المجلد على شاشة التلفاز كأنه فمٌ واسع.
توقفت ريم عن الابتسام.
أما أنا، فشعرت أن يديّ تجمدتا، لأن ياسر لم يكن يفعل شيئًا دون أن يفكر فيه ثلاث مرات. وإذا كان هذا المجلد موجودًا، فهذا لم يكن غضبًا.
كان ذاكرة.
في السطر الأول ظهر تاريخ.
فجر اليوم الذي رحلت فيه ريم.
ثم ظهرت صورة.
ياسر، في الخامسة من عمره، نائم على مقعدي القديم، يحتضن ديناصورًا صغيرًا من القماش. وعلى صدره كانت ورقة ريم، مكتوبة بقلم أزرق
لا أستطيع تحمّله تولّي أمره أنتِ.
وقفت ريم فجأة.
هذا شيء خاص!
لم يرمش ياسر.
هذه حياتي.
اقترب الأستاذ سامر من التلفاز ووجهه شاحب. أما محامي ريم، فشدّ فكه، لكنه لم يقل شيئًا. لم يعد يبدو واثقًا كما كان وهو يحمل حقيبته السوداء.
لمس ياسر جهازه اللوحي مرة أخرى.
فظهرت تسجيلات صوتية.
قالت ريم بسرعة
لا تشغّلها.
انكسر صوتها.
وللمرة الأولى منذ دخولها بيتي، لم تعد تبدو كامرأة أنيقة. بدت مثل الطفلة المدللة التي كانت تكسر الأطباق عندما لا تحصل على ما تريد.
خفض ياسر الصوت قبل التشغيل.
كان دائمًا يفكر في أذنيّ، وفي أذنيه، وفي كل شيء.
ثم امتلأت غرفة الجلوس بصوت ريم
هذا الطفل ليس طبيعيًا يا أمي. لا أستطيع أن أعيش وأنا أعتني بشخص لا يعانقني حتى.
ثم تسجيل آخر
إذا كنتِ تدافعين عنه إلى هذا الحد، فاحتفظي به. أنا سأبدأ حياتي من جديد.
ثم تسجيل ثالث
لا تبحثي عني من أجل المصاريف. لست مضطرة أن أصرف على خطأ.
شعرت أن ساقيّ تخونانني.
كنت قد سمعت تلك الجمل قبل سنوات، لكن سماعها مرة أخرى أمامها كان كأنني أخرج سكينًا صدئًا من جرحٍ قديم.
نظرت ريم إلى محاميها.
قل لهم إن هذا لا قيمة له.
تنحنح المحامي وقال
التسجيلات يمكن الطعن فيها.
أومأ ياسر برأسه، وكأنه كان يتوقع هذه الجملة.
المجلد التالي.
تبدلت الشاشة.
ظهرت إيصالات طبية.
جلسات تخاطب.
طبيب أعصاب أطفال.
طبيبة نفسية.
نظارات.
أدوية.
تشخيصات.
تقارير مدرسية.
فواتير من المكتبة التي كنت أشتري منها البطاقات المصورة، وأغلف الجداول اليومية، وأصنع بطاقات تساعده على أن يقول أتألم، أنا خائڤ، أحتاج إلى الهدوء.
كل ملف كان مؤرخًا.
كل دفعة مالية كانت مصورة.
كل مصروف كان باسمي.
ولا شيء كان باسم ريم.
نظر إليّ الأستاذ سامر بمزيج من الخجل والأمل.
ياسر هل أنت من فعل كل هذا؟
عدّل حفيدي الجهاز اللوحي فوق ساقيه.
منذ كنت في الرابعة عشرة.
وضعت يدي على فمي.
في الرابعة عشرة، بينما كنت أظن أنه يصلح هاتفي فقط ويصمم صفحات لبيع الفطائر، كان يبني جدارًا.
ليس جدارًا من الكراهية.
بل من الحقيقة.
أطلقت ريم ضحكة جافة.
هذا لا يغيّر أنني أمه.
نظر إليها ياسر.
تغيّر الأمر عندما رحلتِ.
قالت بسرعة
كنت مريضة.
أجابها بهدوء
لا.
كانت الكلمة منخفضة، لكنها قطعت الغرفة كالسيف.
ثم فتح مجلدًا فرعيًا اسمه
التناقضات.
ظهرت منشورات ريم على مواقع التواصل.
صور في دبي.
صور في بيروت.
صور في مطاعم فاخرة في عبدون.
تواريخ واضحة.
الحادي عشر من أيار
أخيرًا حرة من الأعباء.
الثالث والعشرون من تموز
حياتي الجديدة تبدأ اليوم.
الخامس من كانون الثاني
عام جديد بلا دراما، بلا أطفال، بلا مشاكل.
كنت أتذكر