أضافتني أختي إلى مجموعة تليجرام تُدعى العائلة الحقيقية عن طريق الخطأ


قلب هذه العائلة وروحها
ثم بدأت تسرد ذكرياتٍ لم تعشها، وتتحدث عن لحظاتٍ لم تكن حاضرة فيها، وعن دروسٍ لم تتلقّها، وكأن كل كلمةٍ تخرج منها كانت تمثيلًا مدروسًا، وكل نبرة صوتٍ محسوبة بدقة، وحتى دموعها بدت وكأنها جاءت في توقيتها المثالي.
واختتمت حديثها قائلة
شكرًا لكِ يا جدتي، لأنكِ علمتِني معنى أن أكون حاضرة دائمًا أنتِ تعلمين أنني لم أترككِ يومًا.
ارتفع التصفيق بقوة.
نظرتُ إلى جدتي
ولم تكن تصفّق.
انحنى نحوي أحد أبناء العمومة البعيدين وهمس
ألن تقولي شيئًا يا عائشة؟
وقبل أن أتمكن من الرد، أمسكت نادية بذراعي وقالت بابتسامةٍ حادة
عائشة مشغولة جدًا بعملها بالكاد تجد وقتًا للنوم، لم تتح لها الفرصة لتحضير شيء.
ابتسمتُ بهدوء، ثم أجبت
نعم من الأفضل أن نترك الكلمات لمن اعتادوا عليها.
وفي تلك اللحظة، نهضت جدتي.
وساد الصمت في الحديقة كلها دفعةً واحدة، وكأن الهواء نفسه توقّف عن الحركة.
لم تكن من الأشخاص الذين يتحدثون كثيرًا في التجمعات، بل كانت تفضّل المراقبة، لكن في تلك الليلة تقدمت نحو الميكروفون بثباتٍ لم أره منها منذ وقتٍ طويل.
قالت بصوتٍ واضح
أريد من الجميع أن يبقوا قليلًا اليوم أبلغ السبعين، وأعتقد أن هذا العمر يمنحني الحق في أن أضع بعض الحقائق على الطاولة.
تصلّبت أمي في مكانها، بينما أخذت العمة ليلى رشفة بطيئة من مشروبها، وكأنها تحاول إخفاء توترٍ بدأ يتسلل إلى ملامحها.
تابعت جدتي
أريد أن أتحدث عن العائلة وتحديدًا عن الشخص الذي كان عائلتي الحقيقية خلال السنوات العشر الماضية.
رفعت نادية يدها إلى شعرها، وعدّلته بثقة، وكأنها تستعد لتلقي الإطراء.
لكن جدتي لم تنظر إليها.
قالت
الشخص الذي كان يرافقني إلى كل موعدٍ مع طبيب القلب، والذي كان ينظف هذا المنزل كل يوم أحد، والذي كان يمسك بيدي في الليالي التي كنت أعجز فيها عن التنفس من الخۏف الشخص الذي لم يطلب تقديرًا يومًا.
شعرتُ بحرارةٍ تصعد إلى وجهي.
ثم نظرت إليّ مباشرة وقالت
عائشة تعالي إلى هنا.
تقدّمتُ بخطواتٍ شعرتُ بثقلها، وكأن الحديقة بأكملها تفتح طريقًا أمامي.
وقفتُ بجانبها.
رفعت يدي أمام الجميع، ثم قالت بحزم
هذا هو شكل العائلة الحقيقية.
أطلقت نادية ضحكةً متوترة وقالت
يا جدتي نحن جميعًا عائلة
قاطعتها جدتي بحدة
لا تقاطعيني لأنني، في الواقع، أحتفظ بسجلات.
مدّت يدها إلى حقيبتها، وأخرجت دفترًا صغيرًا بغطاءٍ جلدي.
تعرفتُ عليه فورًا كان دائمًا على منضدة سريرها، وكنت أظنه مجرد دفترٍ لقوائم بسيطة.
فتحته، وبدأت تقرأ
15 مارس 2019 عائشة أخذتني إلى طبيب القلب. ألغت نادية الموعد لأنها كانت منشغلة بجلسة تصوير.
تبادل الحضور نظراتٍ قلقة.
22 أغسطس 2020 عائشة أعدّت الطعام ونظّفت المنزل عندما كنت مريضة سناء وعدت بالحضور، لكنها ذهبت إلى مناسبة أخرى.
بدأ وجه أمي يفقد لونه تدريجيًا.
17 سبتمبر 2024 يوم طلاق عائشة اتصلتُ بها كل يوم لمدة شهر بينما لم تتصل بي والدتها ولو مرة واحدة.
همست أمي بصوتٍ مرتجف
أمي
أغلقت جدتي الدفتر ببطء، ثم قالت
وهذا ليس كل شيء.
في تلك اللحظة، نهض زوج العمة ليلى، رجل هادئ نادر الكلام، وكأن القرار الذي أخذه كان أثقل من أن يبقى جالسًا.
حاولت العمة ليلى أن تمسك بذراعه، لكنه أفلت منها بهدوء.
ثم قال بصوتٍ ثابت
قبل ستة أشهر رأيت بالصدفة محادثة على هاتف زوجتي كان اسمها العائلة الحقيقية.
وانتشر همسٌ ثقيل في أرجاء الحديقة كأن الحقيقة بدأت أخيرًا تجد طريقها إلى السطح.
قال بصوتٍ ثابت، وهو ينظر إلى الحضور دون تردد
لقد قرأتُ رسائل سبع سنوات كاملة سبع سنوات من إذلال عائشة، ومن المراهنة على فشلها، ومن الاحتفال بكل لحظة ألم مرّت بها، وكأن معاناتها كانت وسيلةً للترفيه لا أكثر.
صړخت العمة ليلى بانفعالٍ واضح، وقد فقدت