أضافتني أختي إلى مجموعة تليجرام تُدعى العائلة الحقيقية عن طريق الخطأ

وعندما دخلتُ وجدتُ 847 رسالة كلّها تسخر من طلاقي، وخساراتي، وإخفاقاتي، وكأن حياتي لم تكن سوى مادةٍ للتهكم والتسلية 
تحديث عن حياة عائشة العاطفية لا تزال عانس ولا يبدو أن شيئًا سيتغير.
قرأتُ ذلك السطر وأنا جالسة داخل سيارتي، متوقفة أمام منزل جدتي أم سيد، وهاتفي يرتجف بين يدي، كأنّه يعكس ارتجافًا داخليًا لم أكن قد أدركته بعد.
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة وسبعٍ وأربعين دقيقة مساءً، وكان اليوم قد أنهكني حتى آخر ذرةٍ من طاقتي.
كنت قد انتهيتُ للتو من نوبةٍ مزدوجة في وحدة العناية المركزة داخل مستشفى حكومي، وما زالت رائحة المطهّر عالقة بملابسي، وثِقل الساعات الطويلة يضغط على جسدي، وذهني مثقلٌ بأصوات الأجهزة، وأنفاس المرضى.
كل ما أردته في تلك اللحظة
أن أعود إلى المنزل، أن أستحم، وأن أستسلم للنوم دون أن أفكر في أي شيء آخر.
لكن الإشعار ظهر وأوقف كل شيء.
نادية أضافتكِ إلى مجموعة العائلة الحقيقية.
العائلة الحقيقية.
شعورٌ ثقيل هبط في داخلي فجأة، شعورٌ بارد، غامض، وغير مريح، وكأنني دخلتُ مكانًا لا يجب أن أكون فيه من الأساس.
كان واضحًا جدًا أن وجودي هنا لم يكن مقصودًا.
لا بد أن نادية ضغطت على الشاشة دون انتباه، ومع ذلك دخلت.
ربما بدافع الفضول أو ربما لأن جزءًا داخليًا أراد أن يرى الحقيقة كما هي، دون تزييف.
فعلتُ ما يفعله أي شخص يُضاف متأخرًا إلى محادثة جماعية بدأتُ بالتمرير إلى الأعلى، أبحث عن بداية ما فاتني، دون أن أتوقع أنني على وشك قراءة شيءٍ سيغيّر كل شيء.
وأول رسالة وقعت عليها عيناي
كانت كفيلة بأن تسلب أنفاسي.
نادية
هل ما زالت عائشة عانس؟ متي ستقترب من الفوز بلقب العمة التي لا يزورها أحد؟
العمة ليلى
هل كانت عائشة ما تسمونه مشروع الخير أم مشروع الشفقة؟ أخلط بينهما دائمًا.
نادية
بل مشروع الخير كانت دائمًا كذلك، محاولتنا الصغيرة التي لم تُثمر.
الأم
لا تكونوا قساة إلى هذا الحد لكن، إن أردنا الصراحة، فهناك جزء من الحقيقة فيما تقولون.
حدّقتُ في الشاشة طويلًا، حتى شعرتُ بأن عينيّ تحترقان من شدّة التحديق، وكأنني أحاول أن أستوعب ما أراه رغم أن كل شيء كان واضحًا بصورةٍ لا تحتمل الشك.
مشروع الخير.
كان لديهم اسمٌ مستعار لي اسمٌ يختصرني في فكرةٍ واحدة، يتداولونه بخفة، ويعيدون استخدامه كأنه نكتة متجددة لا تملّ.
وأمي كانت تضحك معهم.
كان يجب أن أغادر المجموعة في تلك اللحظة.
كان يجب أن أُغلق كل شيء، وأن أتظاهر بأنني لم أرَ شيئًا، وأن أترك هذا الباب مغلقًا كما كان دائمًا.
لكنني لم أفعل.
واصلتُ التمرير
ثم واصلتُ التمرير مرةً أخرى
ثم استمررتُ، وكأن هناك قوةً خفية تدفعني إلى الڠرق أكثر.
كانت الرسائل تعود إلى سنواتٍ مضت، تمتدّ أمامي كأرشيفٍ كامل لحياتي كما يرونها هم سبع سنوات كاملة، وثمانمائة وسبعٌ وأربعون رسالة، مليئة بالنكات، والرهانات، وتعليقات تبدو في ظاهرها عادية، لكنها تخفي وراءها شيئًا أكثر قسۏة.
لم يتحدثوا عني كابنة
ولا كأخت
ولا حتى كقريبة تجمعهم بها صلة ډم.
بل تحدثوا عني وكأنني تجربةٌ فاشلة، مشروع لم ينجح، حالة يتابعونها للترفيه، ويتبادلون حولها التوقعات والآراء كما لو كانت عرضًا مستمرًا.
في إحدى الرسائل التي تعود إلى عام 2019، كتبت ابنة عمي سناء
كم من الوقت قبل أن تبدأ عائشة في طلب المال منّا؟
أجابت العمة ليلى دون تردد
شهران رواتب الممرضات لا تكفي طويلًا.
وأضافت نادية
أقول ستة أسابيع تبدو قوية ومتماسكة، لكنها في النهاية تحتاج إلى من يسندها.
ثم جاءت رسالة أمي
أنتن قاسيات لكن إن كان لابد من التقدير، فأقول ثمانية أسابيع.
كانوا يراهنون
ليس مجازًا بل حرفيًا
يضعون احتمالاتٍ، ويقارنون، وينتظرون اللحظة التي سأُجبر