أضافتني أختي إلى مجموعة تليجرام تُدعى العائلة الحقيقية عن طريق الخطأ


مواعيدها الطبية، وأنا من يزورها كل أسبوع، وأنا من يشتري لها الدواء حين ينسى الآخرون حتى السؤال عنها.
شدّت فكّها، وكأنها تحاول كبح شيء بداخلها، ثم قالت ببرود
لهذا السبب لا يحتملك أحد لأنكِ دائمًا تضعين نفسكِ في موضع الضحېة.
في تلك اللحظة، نظرت إليها بوضوح لم أشعر به منذ سنوات، وكأنني أراها لأول مرة على حقيقتها؛ تلك الفتاة التي شاركتني الغرفة، وضحكنا معًا، وبكينا معًا، ودافعت عنها حين احتاجتني كانت تقف الآن أمامي كغريبة تمامًا.
قلت ببطء وبنبرة ثابتة
نعم ربما لعبت هذا الدور طويلًا.
توقفت لحظة، ثم أضفت
لكن هذا الدور انتهى.
ثم أغلقت الباب في وجهها دون أن أنتظر ردها.
وفي ليلة الحفلة، عندما دخلت حديقة منزل جدتي، كان كل شيء مضاءً بشكلٍ مبالغ فيه، والأصوات متداخلة، والضحكات مرتفعة أكثر من اللازم، وكأن الجميع يحاول إقناع نفسه بأن الأمور طبيعية.
لكن ما إن خطوت إلى الداخل، حتى تغيّر كل شيء.
توقفت الأحاديث فجأة، كأن أحدهم ضغط زرًا خفيًا، والتفتت الوجوه نحوي في اللحظة نفسها ببطءٍ ملحوظ، وكأن وجودي لم يكن متوقعًا رغم دعوتي.
ثم ظهرت الابتسامات
ابتسامات متأخرة، متيبسة، مرسومة بعناية، لكنها فشلت في إخفاء التوتر الذي ملأ المكان.
وفي تلك اللحظة تحديدًا أدركت أن الجميع يعلم أن شيئًا ما سيحدث.
لكن لا أحد منهم
كان يعرف كيف
ولا متى
ولا من أين ستأتي الضړبة.
كان الحفل أشبه بلوحةٍ فنية متقنة التفاصيل، حيث تدلّت الأضواء الصغيرة من الأشجار كنجومٍ منخفضة، وامتلأ المكان بالزهور التي نُسّقت بعناية، بينما كانت فرقة موسيقية رباعية تعزف لحنًا هادئًا ينساب في الخلفية دون أن يفرض نفسه.
وكان النُّدُل يتحركون بين الحضور بخفةٍ مدروسة وهم يحملون صواني المشروبات، في حين بدت السماء صافية بلونٍ أزرق داكن يكاد يكون خياليًا، كأن الليل قرر أن يكون جميلًا أكثر من اللازم.
ارتديتُ فستانًا كحليًّا اخترته بعناية، بعد أن أخبرتني أمي أن الزي المطلوب بسيط وغير رسمي، لكنني، وبمحض الصدفة، سمعتُ نادية تهمس لابنة عمي سناء بأن الزي في الحقيقة رسمي أنيق.
فخّ آخر.
طريقة أخرى لوضعي في موقفٍ خاطئ، لأبدو مختلفة عن الجميع، وكأنني دائمًا خارج الصورة التي يرسمونها.
لكن ليس هذه المرة.
دخلتُ مبتسمة، بثباتٍ مدروس لا يفضح ما بداخلي.
قلتُ بهدوء
مرحبًا يا أمي تبدين جميلة.
تجمّدت في مكانها لثوانٍ، وكأنها كانت تتوقع أن أدخل غاضبة، أو أن أُحدث مشهدًا منذ اللحظة الأولى، لكن ذلك لم يحدث.
لمدة ساعتين كاملتين، لعبتُ دور الضيفة المثالية بإتقانٍ يكاد يكون مخيفًا؛ رحّبت بالجميع، هنأت جدتي أم سيد، تحدثت بلطفٍ مع الأقارب، وساعدت في ترتيب الهدايا، بل وحتى التقطتُ صورًا تذكارية معهم، رغم أنني كنت دائمًا أقف في الخلف، على الهامش، كما لو أنهم ما زالوا يحاولون محو وجودي بهدوء دون أن يلاحظ أحد.
حتى النُّدُل بدوا وكأنهم يجدون صعوبة في ملاحظتي، فكلما اقتربوا وهم يحملون وجباتٍ خفيفة، كانت نادية تكتفي بإشارةٍ خفيفة بيدها، فيمرّون من أمامي وكأنني غير موجودة.
لاحظتُ ذلك.
ولا شك أنهم لاحظوه أيضًا.
لكن أحدًا لم يعلّق.
رفعت جدتي يدها تناديني.
تعالي إلى هنا يا عائشة.
اقتربتُ وجلستُ بجانبها، وكانت ترتدي ثوبًا بلونٍ خمري داكن، تبدو فيه قوية وأنيقة في آنٍ واحد، وكأن الزمن خفف من حدّتها قليلًا، لكنه لم يستطع أن يكسر حضورها.
قالت لي بصوتٍ منخفض لكنه واضح
ابقي حتى النهاية مهما حدث، لا تغادري.
أجبتها دون تردد
لن أغادر يا جدتي.
ضغطت على يدي برفق، ثم قالت
هذا ما أتمناه.
وعندما بدأت فقرة الكلمات، سارعت نادية إلى الإمساك بالميكروفون أولًا، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة.
قالت بصوتٍ هادئ ومتزن
مساء الخير جميعًا نحن هنا
اليوم
لنحتفل بامرأة استثنائية،