خربشة تحت البلاط بقلم أوراليس

 


 

حين انطفأ الضوء، لم يصبح الظلام مجرد غياب للرؤية…
صار وجودًا.
كأنه شيء كثيف يملأ الغرفة ويضغط على صدرها، ويقيس أنفاسها واحدةً واحدة.

مدّت عواطف يدها تتحسس الحائط… لم تجد المفتاح، ولا النافذة، ولا حتى موقع الباب كما تتذكره.
الغرفة تغيّرت.
كانت تسمع نفسها فقط… ثم سمعت شيئًا آخر:
صوت حركة في المرآة، كأنها ماء يُحرَّك من الداخل.

تراجعت حتى اصطدمت بحدّ البلاط قرب الصالة.
الشعور بأن البيت يوجهها لم يغب.
بل صار أوضح:
هو لا يخيفها كي تهرب…
هو يخيفها كي تتذكر.

قالت بصوت متحشرج:
“أنا… ما عملتش حاجة.”

جاء الرد من العتمة، هادئًا، بلا ڠضب:
“ده اللي بتقولي لنفسك.”

وفجأة…
اشټعل الضوء.

لكن ليس ضوء الشمس.
بل ضوء أبيض قاسٍ، كأنه من غرفة تحقيق.
رأت الصالة مرة أخرى، لكن الأشياء فيها لم تعد كما كانت.
الأثاث ليس أثاث أمّ وداد…
الأثاث صار أثاث بيتها هي.

نفس السجادة التي كانت في غرفة جلوس عواطف.
نفس الطاولة الخشبية الصغيرة التي كانت تضع عليها الشاي للضيوف.
حتى المزهرية المکسورة… هي نفسها.

شهقت وهي تلتفت حولها.
هذا ليس بيت أمّ وداد.
أو… هو كذلك، لكنّه يتقمّص شكل ذاكرةٍ دفنتها.

ثم رأت الباب.
باب غرفة صغيرة في آخر الصالة لم يكن موجودًا في بيت أمّ وداد.
لكنها تعرفه.
تتعرف عليه كما تتعرف اليد على جرحٍ قديم بمجرد لمسه.

الباب كان نصف مفتوح.

لم ترد الاقتراب، لكن قدميها اقتربتا وحدهما، وكأن الأرض تسحبها من كاحليها.
وكلما اقتربت، عاد صوت الخربشة، ليس من تحت البلاط هذه المرة…
بل من داخل رأسها.

عند الباب، ترددت ثانية.
ثم دفعت.

الغرفة كانت ضيقة جدًا.
جدرانها عاړية.
وفي وسطها صندوق خشبي صغير.
ليس تابوتًا… بل صندوق ألعاب قديم، مغطى بطبقة غبار كثيفة.

وعلى الصندوق… نفس الحذاء الرمادي.

سقطت عواطف على ركبتيها.
لم تبكِ.
عيناها ظلتا جافتين، كأن الدموع رفضت أن تشارك في الاعتراف.

ومن خلفها… سُمعت خطوات.
خطوات خفيفة، كأن شخصًا لا يريد أن يوقظ أحدًا.

التفتت عواطف… ولم ترَ أحدًا.
لكن المرآة في الصالة كانت تعكس شيئًا يقف خلفها:
الظل الطويل.

هذه المرة كان أقرب، وملامحه بدأت تتشكل… لا بوضوح، بل كأن الوجه يتكون من ظلال وجوه كثيرة.

همس:
“افتحي الصندوق… يا عواطف.”

قالت:
“ليه؟”

رد:
“عشان تعرفي الاسم… الاسم اللي ما بتقولهوش… الاسم اللي دفنتيه تحت البلاط.”

ارتجفت أصابعها وهي ترفع غطاء الصندوق.
لم يكن فيه چثة ولا شيء دامي، لكن ما كان بداخله كان أسوأ:

دفتر رسومات صغير.

في الصفحة الأولى، رسمة طفولية لشخصين يمسكان بأيديهما.
شخص كبير… وشخص صغير.
وفوق الرسمة كلمة واحدة مكتوبة بخط طفل:

ماما

شعرت عواطف أن الهواء انقطع.
لا… هذا ليس دفتر ابنها.
هي لم يكن لها ابن.

أو… هكذا كانت تقول للجميع.

قلبت الصفحة التالية.
كانت فيها رسمة لباب مغلق، وتحتها جملة:

“لو ما فتحتِليش… هفضل أخبط.”

ثم الصفحة التالية:

“أنا مش خاېف… بس الوحدة بتوجع.”

ثم الصفحة التالية كانت فارغة…
لكنها لم تبقَ فارغة.

ظهر فيها الآن خط جديد، يُكتب أمام عينيها… حبره أسود كثيف:

“قولي اسمي… وأنا هبطل خربشة.”

رفعت عواطف رأسها، وصوتها خرج شبه هامس:
“أنا… مش فاكرة.”

ضحك الظل.
ضحكة قصيرة، بلا فرح.
ثم قال:

“لا…
إنتِ فاكرة…
بس الخۏف خلاكي تمسحيه من نفسك.”

وفي اللحظة نفسها، سُمعت الدقّات من تحت البلاط مرة أخرى…
لكنها لم تكن ثلاث دقّات هذه المرة.

كانت أربع.

ومع الدقّة الرابعة، سقط شيء صغير من سقف الغرفة وارتطم بالأرض أمامها:
مشبك شعر طفولي، بنفسجي اللون… مكسور من طرفه.

المشبك كان لها…
كانت تضعه لابنة جارتها…
ثم… ثم…

ارتجفت كمن أصابته صاعقة صامتة.

ومن أعماق البيت جاء صوت أمّ وداد… واضحًا جدًا هذه المرة، كأنه شخص حي:

“ما قلتلك…
أنا ما أخدتهمش…
أنا خبّيتهم.”