خربشة تحت البلاط بقلم أوراليس

 


 

لم تلتفت عواطف فورًا.
الصوت كان قريبًا جدًا… لدرجة أنه لم يأتِ من خلفها فقط، بل كأنه خرج من داخل أذنها.

“أنا مش أمّ وداد.”

تجمّدت.
حاولت أن تقنع نفسها أن من قالها هو خيالها، أو حبل صوتيّ في عقلها يبحث عن تفسير.
لكن أنفاسها تغيّرت… لأن البيت تغيّر معها.

لم تعد الصالة صالة.
صارت كأنها مساحة انتظار.
الجدران أغمق، والضوء أضعف، حتى الشمس التي تدخل من النافذة كانت تبدو خجولة، كأنها لا تريد أن ترى.

شدّت عواطف الدفتر إلى صدرها، ومشت نحو الممر.
كان ممرًا ضيقًا ينتهي بثلاثة أبواب.
أبواب لم ترَها مفتوحة في حياتها.
في الماضي، كانت تمر من هنا فقط حين تضع الخبز أمام عتبة البيت، ثم تهرب.

الآن كانت تقف أمام بابٍ أيسر، عليه قفل قديم كأنه من زمن آخر.
القفل كان مفتوحًا.

مدّت يدها، تردّدت، ثم دفعت الباب.

فتحت الغرفة على رائحة غبار و… شيء آخر.
رائحة ليست كريهة، لكنها كانت ثقيلة، تشبه رائحة ملابس قديمة تُركت طويلًا في صندوق مغلق.
دخلت عواطف خطوة، واختفى صوت الصالة خلفها… كأن الباب قطعها عن العالم.

الغرفة كانت صغيرة، وفيها سرير حديدي ومرآة طويلة وخزانة خشبية.
لكن الشيء الذي جعل عواطف تضع يدها على فمها لم يكن الأثاث…
بل المرآة.

المرآة لم تعكسها.

كانت تقف أمامها، ترى كتفها ووجهها جزئيًا… لكن وسط المرآة كان هناك ظل.
ظلّ واقف في مكانها.

ظل طويل، رقبته أطول مما يجب، وملامحه غير واضحة، لكنه يملك عينين…
عينين تنظران إليها من داخل انعكاسها.

تراجعت عواطف خطوة، والظل تراجع معها.
رفعت يدها… والظل رفع يده.
لكن حين فتحت فمها لتصرخ، لم يفتح الظل فمه.
ابتسم فقط.

سمعت خشخشة خفيفة من داخل الخزانة.
كأن أحدًا يحرك شيئًا بين الملابس.

قالت بصوت مرتجف:
“مين… مين هناك؟”

لم يجب أحد.
لكن الدفتر في يدها بدأ يسخن.
سخونة غير طبيعية، كأن الكلمات تحترق بداخله.

فتحته بسرعة، فوجدت صفحة جديدة لم تكن موجودة قبل دقائق.
كانت تُكتب الآن… سطرًا سطرًا… كما لو أن قلمًا غير مرئي يخطها.

“دخلتِ الغرفة اللي نسيتيها.
المرآة مش مرآة…
دي باب.
واللي جوّا الباب… كان مستنيكي.”

توقفت الكلمات لحظة، ثم ظهر سطر جديد:

“لو بصيتي في المرآة أكتر… هتشوفي يوم ما دفنتي صوتك.”

رفعت عواطف رأسها ببطء.
الظل في المرآة كان ما زال هناك… لكنه هذه المرة لم يقلّدها.
تحرّك وحده.

مدّ يده نحو سطح المرآة…
ثم بدأ يضغط عليه، كما لو كان الزجاج شيئًا لينًا، كالماء.
المرآة تشوّهت تحت أصابعه، وظهرت تموّجات تتسع.

عواطف تراجعت للخلف وهي تلهث.
اصطدمت بالسرير الحديدي.
صدر منه صوت “طِن” حاد.
وفي اللحظة نفسها، سُمِع من داخل المرآة صوت دقّات… نفس الدقّات التي سمعتها في الليل:

دقّة…
دقّتان…
ثلاث…

ثم خرج صوت همسٍ شديد القرب، كأنه يسكن أسفل جلدها:

“إنتِ فاكرة إنك سمعتي الخربشة بعد مۏتها؟
لا…
إنتِ سمعتيها يوم ما قررتي تسكتي.”

لم تعرف عواطف ماذا يعني… حتى رأت شيئًا في زاوية الغرفة:
حذاء صغير.

حذاء طفل… رماديّ اللون… مغطى بالغبار.
الحذاء كان مألوفًا.
مألوفًا بطريقة جعلت قلبها ينهار قبل أن تتذكر السبب.

وفي الدفتر، ظهر سطر أخير كأنه حكم:

“ده بتاعه…
وده سبب إن اسمك في القائمة.”

وفي اللحظة التي مدّت فيها يدها نحو الحذاء…
انطفأ الضوء تمامًا.

ولم يبقَ إلا صوت واحد:
خربشة… من تحت البلاط.