خربشة تحت البلاط بقلم أوراليس

لم يكن بيت “أمّ وداد” في آخر الحارة يلفت الانتباه إلا بشيء واحد:
كل من يمرّ بجواره يسمع خربشة خفيفة… كأن أحدًا يحكّ أظافره في الخشب من الداخل.
خربشة لا يلتفت لها الناس نهارًا، لكنها تصبح في الليل صوتًا كاملًا، واضحًا، يطرق في الرأس طرقًا.

حين ماټت أمّ وداد لم يبكها أحد.
ليس لأنها كانت شريرة، بل لأنها كانت غريبة… الغربة وحدها تكفي ليبقى الناس على مسافة.

كانت تعيش وحدها منذ سنوات، وتغلق نوافذها حتى في الصيف، ولا تفتح الباب إلا لتأخذ الخبز وتغلقه في وجه الهواء.
ولم يكن أحد يذكر اسمها إلا مقرونًا بجملة واحدة:
“هي تعرف أشياء لا يجب أن تُعرف.”

في صباح الچنازة، جاءت النسوة على مضض، ووقفت “عواطف” بنت الحارة – التي لم تكن تخشى الكلام – أمام الباب وقالت:
“يا جماعة… البيت ده مش طبيعي. أنا طول عمري باسمع الصوت ده.”
ضحك بعضهم، لكن الضحك خرج مختنقًا، كما لو أنهم يضحكون كي لا يعترفوا أنهم سمعوه أيضًا.

في الغُسل، حدث الشيء الذي جعل الخۏف يأخذ شكلًا.
لم يظهر ډم، ولم تحدث فوضى، لكن المغسلة الشابة صړخت فجأة وألقت الدلو من يدها.
قالت: “اسمعوا!… في حاجة بترد!”
اقتربت النساء، ولم يسمعن إلا صوت الماء… ثم صوتًا آخر تحت الأرض.
دقّة… دقّة… دقّة.
كأن البيت يرسل إشارة، أو كأن شيئًا محبوسًا يتعلّم كيف يطرق.

قالت إحدى النسوة: “ده أكيد خشب التابوت… بيتحرك.”
لكن عواطف شعرت بالقشعريرة؛ الصوت لم يكن من التابوت، بل من جهة الحائط، من حيث لا أحد يقف.

بعد الډفن، ظنوا أن كل شيء انتهى.
لكن في نفس الليلة، استيقظت عواطف على حلم غريب:
كانت في بيت أمّ وداد، والبيت خالٍ، إلا من بلاطة واحدة في وسط الصالة.
تُحرّك نفسها… قليلًا… ثم تعود.
وفوقها ظلّ طويل لا يظهر له جسد.

نهضت عواطف متعرّقة.
ظلت تقنع نفسها أنه حلم، حتى سمعت ما جعلها تجمد في مكانها:
من اتجاه بيت أمّ وداد، جاء الصوت… ليس خربشة هذه المرة.
بل همس واضح كأنه من فمٍ قريب:

مش أنا اللي أخدتهم… أنا اللي خبّيتهم.

لم تجرؤ على النظر من الشباك.
وبدلاً من ذلك، سحبت الغطاء فوق رأسها، كأن القماش يمكن أن يمنع الحقيقة من المرور.
لكن الصوت لم يتوقف…
ثم جاءت الدقّات…
دقّة واحدة…
ثم دقّتان…
ثم ثلاث…
وكأن أحدهم يعدّ لها شيئًا.

وفي الصباح، حين قررت أن تذهب وتثبت لنفسها أن كل شيء وهم…
وجدت باب بيت أمّ وداد مفتوحًا لأول مرة منذ سنوات.
ووسط الصالة… كانت هناك بلاطة مرفوعة قليلًا…
كأن أحدًا بدأ يرفعها ولم يكمل.