خربشة تحت البلاط بقلم أوراليس

 

وقفت عواطف أمام بيت أمّ وداد كمن يقف أمام فمٍ مفتوح.
الهواء داخل الباب كان أبرد من الصباح، كأن البيت لم يخرج منه الليل بعد.

قالت لنفسها وهي تُمسك طرف عباءتها:
“أكيد حدّ دخل يسرق… أكيد…”
لكنها كانت تعرف أن هذا ليس تفسيرًا، بل مُسكّن.

خطت خطوة… فصرَّت ألواح الخشب تحت قدميها بصريرٍ طويل.
ثم سكت البيت.
ليس سكونًا عاديًا… سكونًا يراقب.

في الصالة، كانت البلاطة التي رأتها مرفوعة بالفعل.
ليست مخلوعـة تمامًا، بل مرتفعة عند طرفها كما لو أن يدًا رفعتها ثم تذكرت شيئًا وتراجعت.

انحنت عواطف ببطء.
أدخلت أصابعها تحت الحافة…
كانت باردة، وخشنة.
سحبت.

ارتفع حجر البلاط بصوت “طَق” خفيف… وكأن الأرض تأوهت.
تحتها كان فراغ صغير، ليس قبرًا ولا حفرة عميقة، بل تجويف ضيق مُعدّ بعناية، وداخل التجويف كيس قماشي قديم.

لم تفرح عواطف باكتشافه.
بل شعرت بالخۏف من سهولة الأمر.
كأن البيت ترك لها الطريق… وتفرّج.

فتحت الكيس بيد مرتجفة.
لم تجد ذهبًا ولا نقودًا.
وجدت شيئًا أسوأ:
دفترًا.

دفتر صغير، غلافه متآكل، ومربوط بخيطٍ أبيض.
حين فكّت الخيط، انبعثت رائحة الورق القديم، رائحة تشبه بيوتًا مهجورة وتواريخ منسية.

الصفحة الأولى كانت مكتوبًا عليها بخطٍ دقيق:

لو وصلت هنا… أنتِ مش أول واحدة تسمعي.

تراجعت عواطف خطوة وكادت تُغلق الدفتر، لكن عينيها ظلتا معلقتين بالكلمات.
أكملت القراءة:

“القرية مش پتخاف من المۏت… القرية پتخاف من اللي يفضل عايش بعده.
اللي يسمع الخربشة… مش بيسمعها بأذنه.
الخربشة بتكون جوّا دماغه… جوّا المكان اللي بيخبّي فيه الحقيقة عن نفسه.”

قلبت الصفحة، فوجدت قائمة أسماء.
أسماء تعرفها… وجوه تمر عليها كل يوم.
وبجانب كل اسم… علامة صغيرة: دائرة، أو خط، أو نجمة.

آخر اسم في القائمة كان: عواطف.
وبجانب اسمها لم تكن دائرة ولا خط… بل نقطة حبر سوداء كبيرة كأن القلم ضغط بقسۏة حتى اخترق الورق.

شعرت عواطف بأن حلقها جف.
كيف كتبته؟ متى؟ ولماذا؟

سمعت في تلك اللحظة صوتًا يأتي من داخل البيت…
ليس من الصالة… بل من ناحية الممر المؤدي إلى الغرف المغلقة.

صوت جرّ شيء خفيف على الأرض…
ثم توقّف.

رفعت عواطف رأسها، وابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت شبه مېت:
“في حد هنا؟”

لم يجب أحد.
لكنّ البيت فعل شيئًا آخر:
هزَّ الدفتر في يدها.

لم يكن بسبب الهواء، ولا بسبب رعشة يدها.
الصفحات اهتزّت وحدها، وانفتحت بسرعة على صفحة في المنتصف…
كأن شخصًا يقلبها لها.

وعلى الصفحة المفتوحة، كان سطرٌ واحد مكتوب حديثًا، حبره ما زال لامعًا:

ما تكمليش… لأنك لو كمّلتي، هتفتكري.

لم تكن عواطف تعرف ما الذي ستتذكره…
لكنها شعرت أن جسدها كله يعرف.
كل خلية فيها تراجعت…
ومع ذلك، أصابعها كانت تقلب الصفحة التالية ببطء… رغماً عنها.

وقبل أن ترى ما فيها، صدر من خلفها صوت خاڤت جدًا… قريب جدًا…
كأنه واقف عند كتفها:

أنا مش أمّ وداد.