قصة بعنوان النظرة الأولى

 أن تكون بخير.
لكنه رد بسرعة
سأغادر لكني لن أنسى عينيك ولا تلك النظرة التي كانت كأنها وعد صامت.
كانت تلك الجملة الأخيرة كفيلة بأن تعود كل الذكريات دفعة واحدة
مرت أسابيع بعد ذلك وانشغلت بحياتي اليومية لكن في أعماقي كان هناك فراغ لا أستطيع تفسيره.
كنت أقنع نفسي أنني تجاوزت الأمر لكن كل مرة أزور فيها نفس المطعم مع زوجي أشعر وكأن عيني تبحث عنه رغما عني.
وذات مساء وبينما كنت أتسوق مع صديقتي سمعت صوتا مألوفا يناديني باسمي.
الټفت لأجد الرجل ذاته يقف أمامي بابتسامة هادئة.
تجمدت في مكاني للحظة وكأن الزمن توقف.
قال بلطف
لم أتوقع أن أراك هنا يبدو أن القدر يحب أن يعيد المشاهد الجميلة.
أجبته بتوتر
صدفة لا أكثر.
ابتسم وقال
قد تكون الصدف أجمل ما في الحياة لكنها أحيانا اختبار.
كانت كلماته مؤثرة. لم تكن مجرد جمل عابرة بل كانت تحمل معنى عميقا لم أستطع تجاهله.
وقفنا نتحدث لدقائق عن أمور عامة ثم ودعني بلطف ومضى.
لكن تلك الدقائق القليلة كانت كافية لتفتح بابا من المشاعر القديمة وتعيد الحيرة إلى قلبي من جديد.
في تلك الليلة جلست أمام المرآة طويلا. نظرت إلى وجهي في انعكاس الزجاج وسألت نفسي
ما الذي ينقصني ولماذا شعرت بهذا الانجذاب الغريب
لم أكن أبحث عن حب جديد ولم أكن أنوي الخېانة ولكن الإنسان أحيانا ينجذب إلى من يشعره بأنه يرى بأنه موجود.
كانت مشاعري خليطا من الذنب والحنين.
وفي الوقت نفسه كنت أقدر زوجي وأحترمه وأعلم أنه لا ذنب له.
لذلك قررت أن أضع حدا نهائيا لهذا الأمر وأغلق الباب تماما قبل أن يتحول الفضول إلى خطأ.
في اليوم التالي كتبت لذلك الرجل رسالة قصيرة قلت فيها
أقدر كل لحظة جميلة مرت لكنها يجب أن تبقى مجرد ذكرى. لا أريد أن أخطئ في حق نفسي أو في حق من وثق بي.
رد علي قائلا
أحترم قرارك وسأدعو لك بالسعادة دائما. فقط تذكري أن بعض اللقاءات تكتب لتعلمنا لا لتكتمل.
كانت تلك كلماته الأخيرة.
أغلقت الهاتف ومسحت رقمه وأغمضت عيني وأنا أتنفس بعمق.
شعرت براحة غريبة كأنني تخلصت من عبء ثقيل كان على صدري.
بدأت أستعيد نفسي تدريجيا.
أصبحت أقدر حياتي أكثر وأرى في زوجي أمورا كنت أغفل عنها.
تعلمت أن المشاعر العابرة قد تكون فتنة وأن أجمل الانتصارات هي التي يحققها الإنسان على نفسه.
كنت أحيانا أتذكر تلك القصة وكأنها حلم بعيد وأبتسم ابتسامة خفيفة فيها شيء من النضج والتأمل.
لقد مررت بتجربة جعلتني أكثر وعيا وأكثر قوة.
بعد عام من تلك الحاډثة عدت لنفس المطعم برفقة زوجي وأطفالي.
كانت الأجواء تشبه تماما تلك المرة الأولى لكنني هذه المرة كنت مختلفة.
لم أبحث عن أحد ولم أنتظر نظرة إعجاب من غريب بل كنت ممتنة لما أملك.
حين
انتهينا من الغداء نظرت إلى زوجي وقلت بابتسامة
هل تعلم أحيانا نحتاج إلى أن نفتن بشيء عابر حتى ندرك قيمة ما في أيدينا.
ابتسم ولم يفهم تماما ما قصدت لكنه أمسك يدي وقال
المهم إنك بخير وهذا يكفيني.
نظرت إليه وقلت في نفسي
نعم أنا بخير لأنني عدت إلى نفسي.
بعض القصص لا تنتهي بحب ولا بكراهية بل تنتهي بدروس تبقى في القلب إلى الأبد.
لقد تعلمت من تلك التجربة أن الفضول قد يكون بداية انحدار وأن أقصر الطرق إلى السعادة هو الرضا بما نملك.
كانت النظرات مجرد لحظة
لكن أثرها جعلني أفهم نفسي أكثر وأحب حياتي كما هي.